
تتزايد المخاوف بشأن أسعار الغذاء عالميًا مع تصاعد احتمالات تأثير ظاهرة النينيو المناخية على المحاصيل الزراعية خلال الأشهر المقبلة، وسط تحذيرات من تراجع المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج والأسمدة، بما قد يضيف ضغوطًا جديدة على الأسواق العالمية والتضخم الغذائي.
وتشير توقعات محللي مجموعة «سيتي» المصرفية إلى أن أسعار عدد من السلع الزراعية الرئيسية قد تسجل ارتفاعات ملحوظة خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، إذا تسببت التقلبات المناخية في خسائر إنتاجية أكبر من المتوقع، بالتزامن مع القيود التجارية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الطلب على المحاصيل المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي.
وتأتي هذه المخاوف بعدما ارتفع مؤشر «بلومبرج كوموديتي أجريكالتشر» للسلع الزراعية بنحو 20% منذ بداية عام 2026، في إشارة إلى تصاعد الضغوط على أسواق المحاصيل. ويرى محللو «سيتي» أن المخاطر لا تزال تميل إلى ارتفاع الأسعار، خاصة مع اقتراب نهاية العام واحتمالات بلوغ ظاهرة النينيو ذروة قوية بين أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر 2026.
أسعار السكر والقمح والذرة.. توقعات بزيادات جديدة
تتصدر مجموعة من المحاصيل الأساسية قائمة السلع المعرضة لمخاطر ارتفاع الأسعار، وفق تقديرات «سيتي» التي تتوقع زيادة أسعار السكر بنحو 25% خلال أفق الاثني عشر شهرًا، والذرة بنسبة 17%، والقمح بنسبة 16%، وفول الصويا بنحو 12%.
وتظل هذه الأرقام توقعات مستقبلية وليست زيادات تحققت بالفعل، إذ يرتبط مسار الأسعار الفعلي بتطورات الطقس وحجم الإنتاج العالمي ومستويات المخزونات وحركة التجارة والطلب على المحاصيل.
ويبرز القمح باعتباره أحد أكثر المحاصيل عرضة للمخاطر، إذ تشير تقديرات البنك إلى أن نحو 14% من الإنتاج المحتمل قد يكون مهددًا بفعل تداخل العوامل المناخية وارتفاع تكاليف الأسمدة ومستلزمات حماية النباتات والاضطرابات التجارية.
وفي السيناريو الأكثر سوءًا، قد ترتفع نسبة إنتاج القمح المعرض للمخاطر إلى 22%، مقابل 15% للذرة و16% للشعير. أما الأرز، فتبلغ نسبة الإنتاج المعرض للمخاطر نحو 5.3%، وقد تصل إلى 9% في الظروف المناخية الأكثر قسوة.
وتشمل المخاطر أيضًا زيت النخيل، إذ تقدر «سيتي» نسبة الإنتاج المعرض للتهديد بنحو 7.4%، مع احتمال ارتفاعها إلى 11% في السيناريو الأسوأ.
ولا تتوقف الضغوط عند الظروف المناخية وحدها؛ فارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات ومبيدات الفطريات قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليل استخدامها، وهو ما يمكن أن يؤثر سلبًا على إنتاجية الأراضي الزراعية ويزيد احتمالات نقص المعروض من المحاصيل الأساسية.
الهند تواجه مخاطر نقص إنتاج السكر
أسعار الغذاء عالميًا.. يأتي السكر في مقدمة السلع التي تثير المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، مع تزايد القلق من تأثير نقص الأمطار على إنتاج قصب السكر في عدد من المناطق الهندية، خاصة ماهاراشترا وكارناتاكا وماراثوادا.
وتوضح البيانات الواردة في تقرير «سيتي» أن الأمطار خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس جاءت أقل من معدلاتها المعتادة بنسبة 26% في ماراثوادا، و23% في جنوب كارناتاكا، و15% في شمال الولاية، بما يزيد المخاوف من تراجع إنتاج قصب السكر.
ودفعت مخاطر نقص الإمدادات السلطات الهندية إلى اتخاذ إجراءات لتعزيز الكميات المتاحة في السوق المحلية، شملت السماح باستيراد مليون طن من السكر دون رسوم جمركية، إلى جانب الإفراج عن مخزونات حكومية واتخاذ تدابير لدعم المعروض المخصص للاستهلاك.
وتتوقع «سيتي» تراجع الإنتاج العالمي للسكر من 184.2 مليون طن خلال موسم 2025-2026 إلى 175.9 مليون طن في موسم 2026-2027، مقابل استهلاك عالمي متوقع يبلغ 179 مليون طن.
وبحسب هذه التقديرات، قد يتحول سوق السكر من فائض يقدر بنحو 4.2 مليون طن إلى عجز يبلغ 3.1 مليون طن، وهو ما قد يعزز الضغوط الصعودية على الأسعار، إذا لم تتمكن الدول المنتجة من تعويض النقص المتوقع.
وتتجه الأنظار إلى البرازيل والهند وتايلاند، باعتبارها من أبرز العوامل المؤثرة في توازن سوق السكر العالمي، في ظل حساسية الإنتاج للتغيرات المناخية وتكاليف الزراعة والطلب على الإيثانول.
الوقود الحيوي يزيد المنافسة على المحاصيل الزراعية
لا ترتبط توقعات ارتفاع أسعار الغذاء بالطقس فقط، إذ تؤدي أسواق الطاقة دورًا إضافيًا في تحديد حجم المعروض من المحاصيل الزراعية المستخدمة في الغذاء.
فمع ارتفاع أسعار البنزين والديزل، تتزايد الحوافز الاقتصادية لاستخدام المنتجات الزراعية في تصنيع الوقود الحيوي، خاصة الذرة والسكر وزيوت الصويا والنخيل. وقد يؤدي ذلك إلى توجيه كميات أكبر من المحاصيل إلى قطاع الطاقة بدلًا من الأسواق الغذائية.
وفي هذا السياق، رفعت إندونيسيا نسبة مزج الوقود الحيوي إلى 50%، بينما زادت البرازيل نسبة الإيثانول في البنزين إلى 32%، وفق البيانات الواردة في التقرير.
ومن شأن استمرار هذه السياسات زيادة المنافسة على المحاصيل، خاصة إذا تزامنت مع انخفاض الإنتاج أو تراجع المخزونات العالمية.
كما قد يؤدي تراجع إمدادات زيت النخيل من إندونيسيا وماليزيا إلى زيادة الطلب على زيت الصويا باعتباره بديلًا في بعض الاستخدامات، وهو ما يضع مخزونات الزيوت النباتية أمام ضغوط إضافية.
وتتزامن هذه العوامل مع اضطرابات لوجستية في منطقة البحر الأسود ومخاوف تتعلق بإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، بما يزيد تعقيد حركة التجارة العالمية ويرفع مخاطر تراكم الضغوط على أسعار السلع الزراعية.
القهوة والكاكاو.. مخاطر الإنتاج لا تعني ارتفاع الأسعار دائمًا
على الرغم من المخاطر المناخية التي تهدد عددًا من المحاصيل، لا تتوقع «سيتي» ارتفاع أسعار جميع المنتجات الزراعية بالوتيرة نفسها، إذ تختلف التوقعات بحسب حجم الإنتاج والمخزونات ومستويات الاستهلاك.
وفي سوق القهوة، يقدر البنك أن إنتاج البن من نوع روبوستا قد يتعرض لخسائر محتملة تبلغ 5.8%، مقابل 3.3% لأرابيكا، مع احتمال ارتفاع نسبة المخاطر إلى 12% في السيناريو المناخي الأكثر سوءًا.
لكن «سيتي» لا تزال تتوقع ضغوطًا هبوطية على أسعار أرابيكا، مدفوعة بزيادة الصادرات البرازيلية واحتمالات تحسن المخزونات العالمية. ويقدر البنك السعر عند 2.50 دولار للرطل خلال ثلاثة أشهر، و2.25 دولار خلال اثني عشر شهرًا.
وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج العالمي للقهوة قد يصل إلى 188.7 مليون كيس خلال موسم 2026-2027، مقابل استهلاك يبلغ 182 مليون كيس، بما يعني فائضًا محتملًا يقدر بنحو 6.7 مليون كيس. كما يُتوقع ارتفاع الإنتاج في كولومبيا من 12.7 مليون كيس إلى 13.5 مليون كيس خلال الفترة نفسها.
أما الكاكاو، فتتسم توقعاته بدرجة أكبر من التعقيد؛ إذ قد تتضرر المحاصيل بسبب الجفاف في ساحل العاج وإندونيسيا، إلى جانب الأمطار المفرطة في الإكوادور وزيادة مخاطر الأمراض الزراعية.
ومع ذلك، تحتفظ «سيتي» بموقف محايد تجاه أسعار الكاكاو، في ظل ضعف الطلب على الطحن وتراجع نشاط المعالجة عالميًا بنحو 7% على أساس سنوي.
ويتوقع البنك تراجع فائض الكاكاو العالمي من 429 ألف طن خلال موسم 2025-2026 إلى 34 ألف طن في الموسم التالي، وهو ما قد يقلص هامش الأمان أمام أي خسائر إضافية في الإنتاج.
هل ترتفع أسعار الغذاء عالميًا خلال الفترة المقبلة؟
تعكس تقديرات «سيتي» تزايد المخاطر التي تواجه أسواق الغذاء العالمية مع اقتراب نهاية 2026 وبداية 2027، خاصة في ظل تداخل التغيرات المناخية مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة بين الغذاء والطاقة على المحاصيل الزراعية.
لكن اتجاه الأسعار سيظل مرتبطًا بمدى تحقق خسائر الإنتاج المتوقعة، وقدرة الدول المنتجة على زيادة المعروض أو استخدام المخزونات لتعويض أي نقص، فضلًا عن تطورات الطلب العالمي والقيود التجارية.
وبينما تتركز أكبر المخاوف في أسواق السكر والقمح والذرة، تشير توقعات القهوة والكاكاو إلى أن التأثير المناخي لن يكون موحدًا بين السلع، ما يجعل متابعة الإنتاج والمخزونات وتطورات الطقس عوامل أساسية لفهم اتجاه أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

التعليقات