أخطاء الشركات .. خسارة 440 مليون دولار في غضون 45 دقيقة
في أسواق المال، قد تحتاج شركة إلى سنوات طويلة لبناء سمعتها وترسيخ مكانتها بين كبار اللاعبين، لكن دقائق معدودة قد تكون كافية لتبديد ما راكمته من نجاح.
وهذا ما حدث في صباح الأول من أغسطس 2012، حين بدا اليوم وكأنه بداية لجلسة تداول اعتيادية في وول ستريت، تستعد فيها شركة “نايت كابيتال” الأمريكية للمشاركة في برنامج يستهدف جذب مزيد من المستثمرين إلى السوق، لكن في أقل من ساعة واحدة، تحولت أنظمتها الآلية إلى مصدر لخسائر تتراكم بسرعة تفوق قدرة العاملين على فهم ما يحدث.

ضخ السيولة
تأسست “نايت كابيتال” عام 1995، وبعد ثلاث سنوات طرحت أسهمها للاكتتاب العام، وسرعان ما أصبحت من أكبر شركات صناعة السوق في الولايات المتحدة، خصوصًا في التعاملات المرتبطة بالمستثمرين الأفراد في بورصتي نيويورك وناسداك.
كان يقوم نشاط الشركة على دور أساسي في حركة الأسواق، إذ تنفذ أوامر الشراء والبيع الواردة من الوسطاء الماليين، وتستخدم رأس مالها الخاص لتوفير السيولة اللازمة لاستمرار التداول، وكلما نفذت العمليات بسرعة وكفاءة، ازدادت قدرتها على المنافسة.
بحلول عام 2012، أصبحت “نايت كابيتال” لاعبًا مؤثرًا في السوق الأمريكية، إذ مثّل نشاطها نحو 10% من إجمالي التداول في الأسهم الأمريكية المدرجة، وخلال يونيو من العام نفسه، بلغ متوسط القيمة اليومية لتداولات وحدة صناعة السوق لديها 19.56 مليار دولار، فيما وصل حجم التداول إلى 3.1 مليار سهم.
تعكس هذه الأرقام قوة الشركة، لكنها تكشف أيضًا حجم المخاطر الكامنة في نشاطها، فحين تعتمد شركة بهذا الحجم على أنظمة آلية تنفذ الأوامر خلال أجزاء من الثانية، يصبح أي خلل في التعليمات البرمجية قادرًا على تحويل السرعة التي تمنحها ميزتها التنافسية إلى مصدر لخسائر هائلة.

إضاعة الفرصة الأخيرة
بدأت الأزمة عندما كانت “نايت كابيتال” تستعد للمشاركة في برنامج جديد أطلقته بورصة نيويورك لجذب تداولات المستثمرين الأفراد، وكان على الشركة تحديث أنظمتها لتتمكن من التعامل مع الأوامر المرتبطة بالبرنامج، لكن عملية التحديث لم تُنفذ على نحو متسق في جميع الخوادم.
شمل نظام توجيه الأوامر ثمانية خوادم، إلا أن أحدها ظل يعمل برمز برمجي قديم، بينما جرى تحديث الخوادم الأخرى، وترجع جذور الخلل إلى عام 2005، حين نُقل جزء من الشفرة البرمجية إلى موضع سابق في تسلسل التعليمات، ما أدى إلى تعطيل إحدى الوظائف دون إزالة الكود المرتبط بها بالكامل.
كانت النتيجة أن النظام أخفق في التعرف على تنفيذ الأوامر الرئيسية، واستمر في توليد أوامر فرعية إضافية، وكأن العمليات الأصلية لم تُنفذ بعد.
والأكثر خطورة أن الشركة تلقت قبل افتتاح السوق 97 رسالة بريد إلكتروني آلية أشارت إلى مشكلات في النظام، لكن هذه الرسائل لم تُعامل باعتبارها تحذيرات تستوجب التدخل الفوري، ما أضاع فرصة احتواء الخلل قبل بدء التداول.

من خطأ برمجي إلى كارثة
مع افتتاح التداول في الأول من أغسطس 2012، بدأت الأنظمة بإرسال أوامر غير طبيعية إلى السوق الأمريكية، وبدلًا من تنفيذ تعليمات العملاء المحددة، أخذ النظام يكرر العمليات ويولد أوامر إضافية بوتيرة متسارعة.
امتد الاضطراب إلى 154 سهمًا، من بينها أسهم شركات كبرى مثل “بيركشاير هاثاواي” و”نوكيا”، وخلال الدقائق الخمس والأربعين الأولى من الجلسة، أرسل النظام أكثر من أربعة ملايين أمر إلى السوق، في محاولة لتنفيذ 212 أمرًا فقط من أوامر العملاء.
تجاوز عدد الأسهم المتداولة 397 مليون سهم، وتراكمت لدى الشركة مراكز مالية غير مرغوب فيها بمليارات الدولارات، وفي بعض العمليات، كان النظام يشتري الأسهم بأسعار مرتفعة ويبيع بأسعار منخفضة، متكبدًا خسائر مع تكرار التداولات.
لم تكن فرق الشركة أمام خطأ يسهل عزله فور ظهوره؛ فقد كانت الأوامر تتدفق بينما يحاول المهندسون والمتداولون تحديد مصدر المشكلة، ومع كل ثانية إضافية، كان حجم الانكشاف المالي يتزايد، إلى أن تمكنت الشركة من إيقاف النظام بعد نحو 45 دقيقة.
لكن وقف البرنامج لم يكن كافيًا لمحو ما حدث، فقد اضطرت “نايت كابيتال” إلى التخلص من المراكز التي تراكمت نتيجة التداولات الخاطئة، وانتهت العملية بخسائر تجاوزت 440 مليون دولار، وكان هذا المبلغ يعادل نحو أربعة أضعاف صافي أرباح الشركة المسجلة في عام 2011، ما وضع مستقبلها المالي على المحك.

عواقب غياب الضوابط
بعد الحادث، أقرت “نايت كابيتال” بأن قاعدتها الرأسمالية تضررت بشدة، وبدأت البحث عن خيارات تمويلية واستراتيجية تتيح لها مواصلة العمل.
وواجهت الشركة ضغوطًا متزايدة مع إعادة العملاء والشركاء تقييم علاقتهم بها، في قطاع لا تقوم المنافسة فيه على الأسعار والسرعة فقط، بل على الثقة في قدرة الأنظمة على تنفيذ الأوامر بصورة سليمة.
وخلصت التحقيقات إلى أن المشكلة تجاوزت التحديث البرمجي الفاشل، فلم تكن لدى الشركة ضوابط كافية لمنع إرسال الأوامر الخاطئة، أو مراقبة مخرجات النظام، أو إيقاف التداول تلقائيًا عند اكتشاف نشاط غير معتاد، كما أخفقت في مراجعة فعالية إجراءات إدارة المخاطر، ولم تستجب للتحذيرات قبل بدء الجلسة.
ووافقت “نايت كابيتال” على دفع 12 مليون دولار لتسوية اتهامات تتعلق بانتهاك قواعد الوصول إلى الأسواق،غير أن التسوية التنظيمية لم تعالج وحدها الضرر الذي أصاب مركز الشركة التنافسي.
وبعد أقل من عام، اندمجت “نايت كابيتال” مع “جيتيكو” لتشكيل “كي سي جي هولدينغز”، لتنتهي عمليًا مرحلة استقلالها.
لم تكن خسارة مئات الملايين في أقل من ساعة مجرد نتيجة لخلل برمجي، بل حصيلة سلسلة من القرارات والضوابط الغائبة، لتوضح قصة “نايت كابيتال” أن التفوق التقني لا يُقاس بسرعة تنفيذ الأوامر وحدها، بل بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ واحتوائه قبل أن يتحول إلى كارثة.
المصادر: وثائق هيئة الأوراق المالية والبورصات – بيانات بورصة نيويورك – وكالة “بلومبرج” – وكالة “رويترز” – صحيفة “نيويورك تايمز”
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات