التخطي إلى المحتوى

القاهرة – دشّنت مصر وكوريا الجنوبية مرحلة جديدة من علاقاتهما الثنائية، بالارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية ودفاعية، في خطوة تعكس رغبة البلدين في الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة أوسع تقوم على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات.

وبدأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اليوم الخميس زيارة دولة إلى كوريا الجنوبية، وكان في استقباله لدى وصوله إلى قاعدة سول الجوية وزير البيئة الكوري ومدير المراسم، كما أقيم له استقبال رسمي في القصر الرئاسي “تشيونغ وا ديه”.

ووقع البلدان حزمة من مذكرات التفاهم في قطاعات حيوية، بينها بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية التحتية لقطاع الطاقة والتكنولوجيا، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون الاقتصادي والصناعي بين الجانبين.

ويعكس الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية توجها نحو بناء إطار أكثر شمولاً للعلاقات، لا يقتصر على تنشيط التبادل التجاري، بل يمتد إلى تعزيز الاستثمارات المشتركة وتطوير القدرات الإنتاجية المصرية والاستفادة من الخبرات الكورية في الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة.

وأكد الرئيس الكوري الجنوبي أن البلدين قررا الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى أكثر تقدماً، معرباً عن أمله في بدء مفاوضات بشأن اتفاقية للشراكة الاقتصادية الشاملة، من شأنها توفير أرضية أوسع لتعزيز التجارة والاستثمارات والتعاون الصناعي، وتطوير العلاقات الاقتصادية على أسس طويلة الأمد.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، التي تسعى إلى تنويع شركائها الاقتصاديين والانفتاح على أسواق ومراكز صناعية جديدة، في ظل توجه متزايد نحو الشرق للاستفادة من التجارب الآسيوية في التصنيع والتكنولوجيا وجذب الاستثمارات. وتمثل كوريا الجنوبية، بما تمتلكه من خبرات في الصناعات المتقدمة وبناء السفن والتكنولوجيا والطاقة، شريكاً يمكن أن يسهم في دعم مساعي مصر لتوسيع قاعدتها الإنتاجية وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية.

ولا يقتصر الرهان المصري على استقطاب رؤوس الأموال الكورية، بل يشمل أيضاً توطين الصناعات ونقل المعرفة الفنية وتطوير الكفاءات المحلية، بما يسمح بتحويل الاتفاقيات الثنائية إلى مشروعات عملية تسهم في خلق فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.

كما يتيح توسيع التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والبنية التحتية للطاقة فرصاً لدعم خطط التحول في قطاع الطاقة، فيما يوفر التعاون في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة مسارات جديدة لتحديث القطاعات الإنتاجية وتعزيز تنافسيتها.

وتشير الاتفاقيات الموقعة إلى أن العلاقات المصرية الكورية تتجه نحو مرحلة تتجاوز الأطر الدبلوماسية والتجارية المعتادة، باتجاه شراكة متعددة القطاعات ترتبط بمصالح اقتصادية واستراتيجية متبادلة. غير أن ترجمة هذا التوجه إلى نتائج ملموسة ستظل مرتبطة بقدرة الطرفين على تحويل مذكرات التفاهم إلى مشروعات استثمارية محددة، واستكمال المفاوضات الاقتصادية وتوفير بيئة جاذبة للتعاون طويل الأمد.

وبذلك، تفتح القمة صفحة جديدة في العلاقات بين القاهرة وسول، بالتوازي مع مساعي مصر إلى توسيع خياراتها الاقتصادية والتوجه شرقاً نحو شركاء يمتلكون الخبرة الصناعية والتكنولوجية، بما يعزز فرص بناء شراكات أكثر تنوعاً وقدرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية.

وقال لي إن البلدين وقّعا مذكرات تفاهم في عدد من القطاعات، معربا عن أمله في أن يبدأ الجانبان مفاوضات بشأن اتفاقية للشراكة الاقتصادية الشاملة، بما يفتح المجال أمام توسيع التجارة والاستثمارات والتعاون الصناعي.

وشملت مذكرات التفاهم قطاعات بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية التحتية لقطاع الطاقة والتكنولوجيا، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الكورية وتوطين الصناعات ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى السوق المصرية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه أوسع لتعزيز التعاون في التصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ومشروعات الطاقة المتجددة.

ويبرز قطاع بناء السفن باعتباره أحد المجالات المرشحة لتوسيع الشراكة، إلى جانب قطاعات السيارات والإلكترونيات والصناعات البتروكيماوية والدوائية. وكانت القاهرة قد طرحت خلال لقاء السيسي مع ممثلي 23 شركة كورية كبرى إنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بهدف تحويل مصر إلى قاعدة للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، مستفيدة من موقعها وشبكة اتفاقات التجارة الحرة التي ترتبط بها.

كما يتجه البلدان إلى توسيع التعاون الدفاعي، مع الإشارة إلى مشروع الإنتاج المشترك لمدافع “كيه9” ذاتية الدفع باعتباره نموذجا للتعاون القائم بينهما في الصناعات الدفاعية. ولا يقتصر التعاون العسكري على صفقات التسليح، بل يتجه أيضا نحو التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية، وهو ما يمنح الشراكة بعدا أكثر استدامة.

وتتخذ الطاقة بدورها موقعا متقدما في العلاقات، مع بحث فرص التعاون في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر وشبكات الكهرباء الذكية وتخزين الطاقة، فضلا عن النفط والغاز والتعدين. كما تمتد مجالات التعاون إلى البنية التحتية والمشروعات الإنشائية، بما في ذلك إمكانية تنفيذ شركات مصرية وكورية مشاريع مشتركة في دول عربية وإفريقية.

وتسعى القاهرة من جانبها إلى تحويل الشراكة إلى منصة أوسع للتصنيع ونقل المعرفة، إذ عرض السيسي أمام مجتمع الأعمال الكوري حوافز الاستثمار والإصلاحات الاقتصادية التي تقول الحكومة المصرية إنها تستهدف تحسين بيئة الأعمال، إلى جانب خطط لتوسيع دور القطاع الخاص وتسهيل إجراءات الاستثمار وتوفير الأراضي الصناعية والبنية التحتية.

وتكتسب العلاقات الاقتصادية زخما إضافيا في ظل ارتفاع الاستثمارات الكورية في مصر؛ فقد بلغت الاستثمارات الكورية نحو 736.3 مليون دولار خلال النصف الأول من السنة المالية 2025-2026، مقارنة مع 77.2 مليون دولار خلال الفترة المقابلة، وفقا لبيانات نقلتها وسائل إعلام مصرية عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وفي المقابل، بلغ حجم التجارة بين البلدين 640.3 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026.

ولا تقتصر الشراكة الجديدة على الاقتصاد، إذ بحث الرئيسان أيضا ملفات إقليمية ودولية، فيما استعرض لي أمام السيسي مبدأ كوريا الجنوبية القائم على التعايش السلمي في شبه الجزيرة الكورية، في حين تبرز مصر بالنسبة إلى سول شريكا مهما بحكم موقعها في الشرق الأوسط وإفريقيا ودورها في تأمين حركة التجارة الدولية عبر قناة السويس.

وتأتي القمة الحالية امتدادا لمسار من التقارب السياسي والاقتصادي، بعد لقاء جمع الرئيسين في القاهرة عام 2025، فيما تسعى سول إلى تعزيز تعاونها مع إفريقيا والشرق الأوسط، وتعمل القاهرة على الاستفادة من الخبرات والاستثمارات الكورية لدعم التصنيع ونقل التكنولوجيا وتوسيع قاعدة صادراتها. وبذلك تبدو الشراكة الاستراتيجية الجديدة إطارا أوسع لتنظيم تعاون البلدين في السنوات المقبلة، من الصناعة والدفاع والطاقة إلى التكنولوجيا والتجارة والاستثمار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *