
تواجه صناعة الدواء تحديات تمويلية تختلف عن كثير من القطاعات الأخرى، في ظل طول دورة رأس المال، وارتفاع احتياجات رأس المال العامل، والاعتماد على مدخلات إنتاج مستوردة، إلى جانب مخاطر تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة التمويل.
وترى المؤسسات الدولية أن توفير تمويل طويل الأجل، إلى جانب تطوير أدوات تمويل سلاسل الإمداد، يمثلان عنصرين أساسيين لدعم توسعات شركات الأدوية وتعزيز قدرتها على الاستثمار في الإنتاج واللقاحات والتكنولوجيا، خصوصًا في الأسواق الناشئة.
التمويل طويل الأجل يدعم توسعات شركات الأدوية
ترى مؤسسة التمويل الدولية أن نقص التمويل طويل الأجل يمثل أحد أبرز العوائق أمام توسع صناعة الأدوية في الأسواق الناشئة، نظرًا إلى ارتفاع حجم الاستثمارات المطلوبة وطول الفترة اللازمة لاسترداد رأس المال.
وتشير المؤسسة إلى أن التمويل المشترك بين مؤسسات التمويل التنموية والبنوك التجارية يمكن أن يوفر آجالًا أطول وأحجام تمويل تتناسب بصورة أكبر مع طبيعة الاستثمارات الدوائية.
وضمن هذا الإطار، قادت مؤسسة التمويل الدولية إحدى عمليات التمويل لصالح شركة أدوية بقيمة بلغت 1.1 مليار يورو من خلال تسهيلين مشتركين، بهدف دعم التوسع في إنتاج الأدوية واللقاحات وتلبية احتياجات رأس المال العامل.
وأتاح التمويل أجلًا يصل إلى 7 سنوات، مقارنة بنحو 5 سنوات في التمويل المعتاد، بما يمنح الشركة مساحة أكبر لإدارة التدفقات النقدية وتمويل توسعاتها الإنتاجية.
الأونكتاد: تمويل سلاسل الإمداد أداة مهمة للسيولة
من جانبه، أشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» إلى أن شركات الأدوية تعد من القطاعات الأكثر اعتمادًا على الائتمان التجاري وتمويل سلاسل الإمداد، نتيجة احتياجاتها المرتفعة لرأس المال العامل وطول دورة التشغيل.
وقدَّر الأونكتاد حجم سوق تمويل سلاسل الإمداد في الأسواق الأفريقية بأكثر من 60 مليار دولار، مع استمرار وجود فجوة بين حجم الطلب والتمويل المتاح، في ظل تركيز المؤسسات المالية بدرجة كبيرة على تمويل التجارة العالمية.
وأكد الأونكتاد أن تمويل سلاسل الإمداد لا يمثل بديلًا للتمويل المصرفي، وإنما أداة مكملة له، تساعد الشركات على إدارة السيولة بصورة أفضل وتقليل الضغوط المرتبطة بدورة رأس المال العامل.
وتشير التجارب التي رصدها التقرير إلى ارتفاع احتمالات استخدام الائتمان التجاري لدى الشركات التي لديها إمكانية الوصول إلى التمويل المصرفي، بما يعكس أهمية الجمع بين الأدوات التمويلية المختلفة بدلًا من الاعتماد على مصدر واحد للتمويل.
البنك الدولي: التمويل بالعملة المحلية يقلل مخاطر سعر الصرف
وفي السياق ذاته، خلص تقييم للبنك الدولي لاستثمارات مؤسسة التمويل الدولية في قطاع الأدوية وعلوم الحياة إلى أن طبيعة الصناعة تفرض احتياجات تمويلية خاصة، بسبب طول فترات الاستثمار والاعتماد على المواد الخام المستوردة والمعدات المقومة بالعملات الأجنبية.
ويزيد الاعتماد على استيراد المواد الفعالة، خصوصًا من الأسواق الآسيوية، من تعرض شركات الأدوية لمخاطر تقلبات أسعار الصرف، لا سيما الشركات التي تعتمد بصورة أساسية على السوق المحلية ولا تمتلك إيرادات تصديرية توفر لها تحوطًا طبيعيًا ضد تغيرات العملة.
وأوضح التقييم أن التمويل بالعملة المحلية، إلى جانب إتاحة آجال أطول، يمكن أن يوفر دعمًا أكبر للتدفقات النقدية للشركات ويحد من مخاطر عدم تطابق العملة بين الإيرادات والالتزامات.
كما حصلت بعض مشروعات الأدوية على تمويلات بآجال تجاوزت ما كان متاحًا عبر النظام المصرفي المحلي، إلى جانب فترات سماح ساعدت الشركات على التعامل مع الفترات السابقة على بدء التشغيل وتحقيق التدفقات النقدية.
منظمة الصحة العالمية: التصنيع المحلي يحتاج إلى منظومة متكاملة
ولا تقتصر تحديات صناعة الدواء على توفير التمويل اللازم لإنشاء المصانع أو زيادة الطاقة الإنتاجية، إذ ترى منظمة الصحة العالمية أن التصنيع المحلي المستدام للأدوية واللقاحات والاختبارات التشخيصية أصبح أولوية استراتيجية لتعزيز مرونة النظم الصحية وتحسين الوصول إلى المنتجات الصحية الأساسية.
وأوضحت المنظمة أن الأزمات الصحية الأخيرة كشفت نقاط ضعف في سلاسل الإمداد العالمية، وأكدت أهمية تعزيز القدرة على إنتاج المنتجات الصحية ذات الجودة بالقرب من الأسواق التي تحتاج إليها.
وترى منظمة الصحة العالمية أن تحقيق تصنيع محلي مستدام يتطلب منظومة متكاملة تشمل أنظمة تنظيمية قوية، وقوى عاملة مؤهلة، ونظمًا فعالة لإدارة الجودة، والبحث والابتكار، وشبكات موثوقة للموردين، إلى جانب تمويل مستدام وأسواق يمكن التنبؤ بها.
الطلب المتوقع شرط لاستدامة الاستثمار الدوائي
وأكدت المنظمة أن وجود طلب متوقع على المنتجات الصحية يمثل عاملًا أساسيًا لاستدامة التصنيع المحلي، مشيرة إلى أهمية مبادرات تشكيل السوق وآليات الشراء الجماعي والالتزامات طويلة الأجل بالشراء في دعم استقرار الطلب وتحسين الوصول إلى الأدوية واللقاحات والمنتجات الصحية الأساسية.
كما شددت على أهمية التعاون الإقليمي في الحد من تجزؤ الأسواق، من خلال تعزيز التقارب بين الأنظمة التنظيمية وتطبيق آليات الاعتراف المتبادل والتكامل الإقليمي، بما يساعد على تسريع وصول المنتجات ذات الجودة وخلق أسواق أكبر وأكثر قابلية للتنبؤ أمام شركات الأدوية.
نقل التكنولوجيا عنصر أساسي في التصنيع المحلي
وتضع منظمة الصحة العالمية نقل التكنولوجيا ضمن العناصر الرئيسية لبناء قدرات تصنيع دوائي مستدامة، موضحة أن الأمر لا يقتصر على نقل تقنيات الإنتاج أو حقوق الملكية الفكرية.
ويمتد نقل التكنولوجيا إلى بناء القدرات المؤسسية، ونظم إدارة الجودة، والخبرة التنظيمية، والكفاءة التشغيلية، والمعرفة العلمية، والقدرة على البحث والابتكار.
وقال جيكوي دونج، رئيس وحدة سياسات المنتجات وإتاحة وتصنيع المنتجات الصحية بمنظمة الصحة العالمية، إن التصنيع المحلي المستدام يتطلب أكثر من مجرد امتلاك القدرة الإنتاجية، مشيرًا إلى ضرورة توافر شراكات قوية وطلب متوقع ونظم جودة وقوى عاملة مؤهلة وبيئات تنظيمية داعمة، إلى جانب التنسيق بين مختلف أطراف المنظومة.
وتشير رؤية المؤسسات الدولية مجتمعة إلى أن تمويل صناعة الدواء لا يتعلق فقط بتوفير الأموال اللازمة لإنشاء المصانع أو شراء المعدات، وإنما ببناء منظومة تمويل وإنتاج متكاملة تراعي طول دورة الاستثمار، واحتياجات رأس المال العامل، ومخاطر العملة، واستقرار سلاسل الإمداد، وتوافر الطلب.
ومن ثم، فإن الجمع بين التمويل طويل الأجل، والتمويل بالعملة المحلية، وأدوات تمويل سلاسل الإمداد، والشراكات التنموية، إلى جانب دعم نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، يمكن أن يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتوسع صناعة الدواء وتعزيز التصنيع المحلي واستدامة إمدادات المنتجات الصحية.

التعليقات