التخطي إلى المحتوى

ومن هنا رأى الأشعري في تجربتها نموذجاً يقوم على الإنصات والتضامن الفكري بدلاً من إسقاط التصورات الجاهزة. وهي الفكرة نفسها التي يمنحها الفيلسوف نور الدين أفاية بعداً نقدياً حين يتوقف عند رفض مارايني للتصور الاستعماري الذي تعامل مع الإبداع المغربي كما لو أن تاريخه بدأ مع الاحتكاك بأوروبا.

فما كان يُقرأ من الخارج بوصفه حرفاً أو زخارف أو تقاليد شعبية، قرأته مارايني باعتباره مخزوناً بصرياً وثقافياً يحمل تاريخ المجتمع وطاقته الإبداعية، وهو ما عبرت عنه بمفهوم “اقتصاد الخيال”.

لكن الأمر لم يكن دفاعاً رومانسياً عن الماضي، فقد سعت في الوقت نفسه إلى منح النقد الفني أدوات أكثر صرامة، وربطت قراءة العمل البصري بالتاريخ والأنثروبولوجيا والذاكرة الجماعية. وبهذا لم تعد اللوحة مجرد موضوع للحكم الجمالي، بل مساحة يمكن من خلالها قراءة مجتمع يعيد تعريف نفسه بعد الاستقلال.

وهنا تتضح العلاقة بين الحداثة والحوار في تجربتها: فمثلما لم تكن الحداثة بالنسبة إليها قطيعة مع الذاكرة، لم يكن الانفتاح على الآخر ذوباناً فيه. وفي الحالتين تقوم العلاقة على التفاعل؛ أن يحمل المرء جذوره معه وهو يتجه إلى العالم.

من الذاكرة إلى المستقبل

هذا المعنى ظهر من زاوية أخرى في قراءة البروفيسورة كلوديا إسبوزيتو من جامعة ماساتشوستس في بوسطن، التي توقفت عند ميل مارايني إلى العمل بعيداً عن البحث عن المجد الفردي. لم يكن مشروعها، بحسب إسبوزيتو، قائماً على الحديث نيابة عن الآخرين، بل على التفكير والكتابة والإبداع معهم.

وفي مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ساهمت في تجاوز نماذج تعليمية موروثة عن الحقبة الاستعمارية وإدماج الفنون الأمازيغية والحرف والتقاليد البصرية المحلية في التعليم الفني. ولم تكتف بالنظر إليها من بعيد، بل تنقلت في جبال الأطلس والتقت النساجين والحرفيين، باحثة عن الثقافة في فضائها الحي.

ومن هنا تكتسب العبارة التي استعادتها إسبوزيتو من ديوان مارايني «رسالة من هجرة» الصادر عام 1976 دلالة خاصة: «لدي حبل سري يصلني بمستقبل العالم».

فالحبل الذي يصل الماضي بالمستقبل لا يصنعه الحنين، بل قدرة الذاكرة على الانتقال والتجدد. وما بدأ حواراً بين مثقفة إيطالية وجيل من الفنانين المغاربة في ستينيات القرن الماضي لم يبق أسيراً لتلك اللحظة، بل امتد إلى أشخاص وأجيال أخرى.

وهنا تدخل أصيلة إلى الحكاية لا بوصفها مكان التكريم فقط، وإنما باعتبارها أحد الشواهد على استمرار ذلك الأثر.

ولم يستعد حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، مارايني من موقع المسؤول الثقافي وحده، فقد كان في التاسعة من عمره واحداً من أطفال المدينة الذين أشرفت عليهم في محترف الأطفال بالموسم، قبل أن تمر العقود ويقف اليوم في المؤسسة نفسها مشاركاً في تكريمها.

وقد حالت وعكة صحية مفاجئة دون حضور مارايني شخصياً، فمثلتها ابنتاها موجة ونور مليحي، لكن غيابها الجسدي كشف، على نحو مفارق، حجم حضورها في ذاكرة المكان، فقصة الطفل الذي عرفها في محترف بأصيلة ثم أصبح بعد عقود أميناً عاماً للمؤسسة التي تحتفي بها تختصر معنى يصعب أن تقوله البرامج والأرقام، فالقيمة الحقيقية لموسم ثقافي لا تقاس فقط بمن اعتلى منصاته، وإنما بما تركه في الأشخاص الذين مروا بها.

وحين يعود طفل من أحد محترفات الموسم ليصبح جزءاً من المؤسسة التي تحمل المشروع نفسه، تكون الثقافة قد انتقلت من الحدث إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى المسؤولية، ومن جيل إلى آخر.

ذاكرة بين ضفتي المتوسط

عند هذه النقطة تلتقي الشهادات المختلفة في صورة واحدة لمارايني: مثقفة جاءت من الضفة الشمالية للمتوسط، لكنها رفضت أن تجعل المسافة بينها وبين المغرب علاقة بين مركز وهامش؛ ناقدة رأت في الموروث مادة للمستقبل لا عائقاً أمامه؛ وامرأة تركت في أصيلة أثراً انتقل من جيل إلى جيل.

فالمسافة بين شمال المتوسط وجنوبه لم تكن يوماً جغرافية فقط. إنها أيضاً تاريخ من اختلال موازين القوة والصور المتبادلة والإرث الاستعماري. ولذلك تكتسب التجارب التي استطاعت بناء علاقة مختلفة بين الضفتين قيمة تتجاوز أصحابها.

مارايني جاءت من الشمال، لكنها لم تبق “الضيفة الأوروبية” في المشهد المغربي. أصبحت جزءاً من ذاكرته، مثلما أصبح الفنانون والمفكرون المغاربة الذين عملت معهم جزءاً من تكوينها الفكري والإنساني.

وهنا تلتقي قصتها مع قصة أصيلة؛ فالمدينة التي جعلت من الثقافة على مدى عقود لغة للتواصل مع العالم لا تحفظ ذاكرتها بوصفها أرشيفاً مغلقاً، بل تعيد تقديمها إلى أجيال جديدة، ليظل الحوار حياً حتى عندما يتغير أصحابه.

لذلك فإن تكريم توني مارايني ليس مجرد وفاء لامرأة تركت أثراً في تاريخ الحداثة المغربية، بل احتفاء بفكرة أثبتت قدرتها على العبور بين الأزمنة والضفتين: أن الحوار بين الشمال والجنوب يصبح أكثر عمقاً عندما يقوم على المشاركة لا الوصاية، وأن الثقافة لا تعيش طويلاً إلا عندما تجد جيلاً جديداً يحمل ذاكرتها ويمنحها معنى جديداً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *