وتكشف هذه الواقعة، بصرف النظر عن حدود الخلاف الشخصي بين الرجلين، استمرار الحساسية التي طبعت العلاقة داخل العدالة والتنمية منذ مرحلة ما بعد تجربة قيادة الحكومة، فقد ظل الحزب يعيش نقاشاً داخلياً حول حدود مسؤولية القيادة السابقة عن نتائج التجربة الحكومية، وطبيعة الخيارات السياسية التي ينبغي اعتمادها، فضلاً عن أسلوب إدارة القرار الحزبي وعلاقة الأمين العام الحالي بمختلف التيارات داخله.
وتكتسب تصريحات بنكيران دلالتها من كونه يواجه بالفعل نقاشاً داخلياً بشأن طريقة تدبيره للحزب، وسط انتقادات من تيار يتهمه بالتفرد في اتخاذ القرار وبفرض رؤيته على التنظيم. كما أن العدالة والتنمية سبق أن شهد استقالات لقيادات من الصف الأول في السنوات الأخيرة، في مؤشر على عمق الخلافات التي لم تكن مرتبطة فقط بالاستحقاق الانتخابي، وإنما امتدت إلى تصور الحزب لقيادته ومستقبله وخياراته السياسية.
ومع ذلك، فإن عودة الحزب إلى الواجهة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، بحلوله في المرتبة الرابعة وحصوله على 57 مقعداً، أعادت إلى العدالة والتنمية جزءاً من حضوره السياسي، لكنها في الوقت نفسه رفعت سقف الأسئلة حول قدرته على تحويل هذا التعافي الانتخابي إلى إعادة ترتيب داخلي مستدام.
ولا تبدو قضية العثماني مجرد سجال عابر حول عبارة قيلت في تجمع حزبي، بل تعكس استمرار الحاجة إلى إدارة أكثر هدوءاً للخلافات داخل الحزب، خصوصاً بين رموز مرحلة قيادته للحكومة وبين القيادة الحالية، فحرص بنكيران على نفي قصد الإساءة والتأكيد على احترامه للعثماني يعكس إدراكاً لحساسية العلاقة، لكنه لا يلغي أن استمرار ظهور مثل هذه الخلافات أمام الرأي العام قد يعيد فتح الأسئلة القديمة حول وحدة القرار داخل العدالة والتنمية.
وبينما يستعيد الحزب حضوره البرلماني والسياسي، تبدو مهمته الأبرز هي ضبط التوازن بين قوة شخصية بنكيران وموقعه التاريخي، وبين الحاجة إلى مؤسسات حزبية قادرة على استيعاب الاختلاف، فاستمرار الشد والجذب الداخلي قد لا يهدد حضور الحزب فوراً، لكنه قد يتحول إلى عامل استنزاف إذا لم ينجح في بناء صيغة واضحة لإدارة التعدد داخل صفوفه.

التعليقات