التخطي إلى المحتوى

الرباط – تتواصل في المغرب مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية المقبلة وسط استمرار الغموض بشأن خريطة التحالفات التي ستقود الحكومة الجديدة، في وقت يحرص فيه حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر لنتائج الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدًا، على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع مختلف الأحزاب المعنية، وعدم حسم مواقفه بصورة مبكرة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل تباين مواقف القوى السياسية بشأن المشاركة في الحكومة أو الانتقال إلى المعارضة، إذ فوض حزب الأصالة والمعاصرة منسقة قيادته الجماعية ورئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري بتدبير مشاورات تشكيل الأغلبية، بما يعكس رغبة الحزب في إدارة المفاوضات بمرونة تتيح له اختبار مواقف مختلف الأطراف قبل بلورة الصيغة النهائية للائتلاف.

وتزداد أهمية هذه الاستراتيجية مع توجه حزب التجمع الوطني للأحرار، وفق المواقف المعلنة، نحو المعارضة، بالتزامن مع اختيار حزب العدالة والتنمية الموقع نفسه، غير أن عدم إغلاق الأصالة والمعاصرة الباب أمام مشاركة الأحرار يبقي المعادلة قابلة لإعادة التشكل، ويمنح الحزب المتصدر للانتخابات ورقة يمكن استخدامها في التفاوض مع حزب الاستقلال وباقي الأطراف الراغبة في دخول الحكومة.

وتكمن إحدى دلالات هذا الخيار في أن احتمال مشاركة الأحرار يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط تفاوضية، خصوصًا إذا ارتفع سقف مطالب بعض الأحزاب بشأن الحقائب الوزارية أو طبيعة حضورها داخل الأغلبية. وفي هذه الحالة، يستطيع الأصالة والمعاصرة الإبقاء على بدائل متعددة بدل الدخول في مفاوضات مقيدة بتحالفات محسومة مسبقًا.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن مشاركة التجمع الوطني للأحرار باتت مرجحة، بقدر ما يعكس رغبة الأصالة والمعاصرة في عدم منح أي طرف يقينًا مسبقًا بشأن تركيبة الحكومة. كما أن قدرة الأحرار على الانتقال من خيار المعارضة إلى المشاركة تظل مرتبطة بحساباته السياسية وبطبيعة العرض الذي ستقدمه الأغلبية المقبلة.

ويبرز حزب الاستقلال باعتباره أحد المفاتيح الأساسية في رسم التشكيلة الحكومية، خصوصًا في ظل حاجة المفاوضات إلى صيغة تضمن أغلبية مستقرة داخل البرلمان. وقد حاول الحزب توظيف توجه الأحرار نحو المعارضة لتعزيز موقعه التفاوضي، إلا أن إبقاء الباب مفتوحًا أمام الأحرار يقلل من قدرة أي طرف على افتراض أن البدائل قد حُسمت.

وبذلك تبرز عدة سيناريوهات، أولها تشكيل أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال مع أحزاب أخرى لضمان قاعدة برلمانية مريحة، وثانيها إعادة فتح قنوات التفاوض مع التجمع الوطني للأحرار إذا تعثرت التفاهمات مع أطراف أخرى، فيما يبقى سيناريو توسيع الأغلبية أو إعادة ترتيب مكوناتها قائمًا بحسب مسار المشاورات.

وتشير هذه المعطيات إلى أن استراتيجية الأصالة والمعاصرة لا تقتصر على البحث عن أغلبية عددية، وإنما تستهدف أيضًا الحفاظ على موقع متقدم في تحديد شكل الحكومة المقبلة وتوزيع مراكز القرار والقطاعات الوزارية. ومن ثم، فإن إبقاء أوراق التحالفات مفتوحة يبدو حتى الآن جزءًا من إدارة التفاوض أكثر من كونه ترددًا في الاختيار، إذ يمنح الحزب مساحة للتحرك بين البدائل، ويحول دون انتقال زمام المبادرة إلى شركائه المحتملين قبل اكتمال الصورة السياسية.

وتأتي هذه التطورات بينما تتواصل في الرباط الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة بعد سلسلة لقاءات جمعت رئيسة الحكومة المعيّنة بقيادات عدد من الأحزاب السياسية.

واستقبلت المنصوري مساء أمس الثلاثاء محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية بمقر حزب الأصالة والمعاصرة، في إطار مواصلة المشاورات بشأن تركيبة الحكومة المقبلة. كما التقت في وقت سابق من اليوم نفسه الأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار، والأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية عبدالصمد عرشان.

وتأتي هذه اللقاءات بعد مشاورات أجرتها المنصوري أول أمس الاثنين، مع نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية وإدريس لشكر رئيس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما يعكس اتساع دائرة الاتصالات السياسية قبل الانتقال إلى المرحلة النهائية من تشكيل الأغلبية.

وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى موقف الاتحاد الاشتراكي، بعدما أعلن لشكر أمام قيادة الحزب أن الأغلبية الحكومية ستضم، إلى جانب الأصالة والمعاصرة، حزبي الاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي. ومن المنتظر أن تعقد اللجنة الإدارية للحزب اجتماعاً في 10 أكتوبر/تشرين الأول لإعلان الموقف النهائي بشأن المشاركة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن المشاورات تتجه نحو بناء أغلبية تضم أحزاب الكتلة الديمقراطية إلى جانب الأصالة والمعاصرة، بما يوفر للمنصوري قاعدة برلمانية مريحة ويمنح الحكومة المقبلة قدرة أكبر على تمرير برنامجها وتنفيذ أولوياتها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *