التخطي إلى المحتوى

تعكس قصيدة “وترجَّل الفارس” التي كتبها الشاعر أحمد سويلم (1942) في رثاء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر – بعد رحيله في 28 سبتمبر/أيلول 1970 – صدمة الأمة العربية ولوعتها برحيل قائد مثّل لها رمزًا للتحرر والكرامة.

يستهل الشاعر قصيدته بالحديث عن الفجيعة التي حلَّت بالأمة. فرحيل عبد الناصر لم يكن مجرد غياب شخص، بل كان اهتزازًا لكيان أمة بأكملها. ويخلع الشاعر على عبد الناصر صفة “الفارس”، وهي مستوحاة من التراث العربي لتدل على الشجاعة، والإقدام، والقيادة في أوقات المحن. وترجُّل الفارس هنا يعني نزوله عن صهوة الحياة والدفاع عن قضايا أمته.

تستحضر القصيدة إنجازات عبدالناصر، ودوره في إيقاظ الوعي العربي، والسعي نحو الوحدة العربية والتخلص من الاستعمار. ويختم الشاعر أفكاره بالتأكيد على أن غياب الجسد لا يعني غياب الفكرة؛ فالمبادئ التي رسَّخها عبد الناصر تظل حية في وجدان الشعوب.

يتراوح الجو النفسي بين الانكسار والحرقة في أبيات الفجيعة والوداع، وبين الفخر والاعتزاز عند استدعاء مواقف القائد وبطولاته. والعاطفة هنا ليست ذاتية شخصية، بل هي عاطفة جمعية تتحدث بلسان الملايين الذين رأوا في عبدالناصر مُنقذًا وملاذًا.

جاءت الألفاظ والعبارات جزلة وقوية، تلائم مقام الرثاء البطولي. واستخدم الشاعر كلمات مشحونة بالدلالات لربط الحدث بالفروسية التاريخية.

كما اعتمد الشاعر على التشبيهات والاستعارات المكنية القوية. فجعل من عبدالناصر “فارسًا”، وجعل من غيابه “كسوفًا” أو “ظلمة” حلَّت بالكون، وهي صور تضخم حجم الخسارة. وقد تنوعت القصيدة بين النداء (لاستحضار روح القائد)، والاستفهام (الذي يحمل معنى الإنكار والصدمة من هول الفاجعة)، والنسق الخبري للتقرير والإشادة بالمنجزات.

التزم الشاعر تفعيلات بحر الرجز (مستفعلن ومشتقاتها) ونبعت الموسيقى الداخلية من حسن اختيار الألفاظ، وتناغم الحروف، والتكرار المقصود لبعض الكلمات والعبارات لتعميق الإحساس بالفقد (مثل تكرار فكرة السقوط أو الترجل).

إن قصيدة “وترجَّل الفارس” تُعد وثيقة وجدانية تؤرخ للحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث. ونجح أحمد سويلم في تحويل الحزن الفردي إلى ملحمة رثاء جماعية، مؤكدًا على القيمة الرمزية لجمال عبدالناصر كقائد لم تنتهِ مبادؤه بموته.

وليس هناك شك في أن هذا النص الشعري يتجاوز الرثاء التقليدي الباكي ليدخل في مساحات الأسطورة، والتاريخ، والنفس البشرية. ويتنازع النص حقلان دلاليان: حقل الموت والغياب والمتمثل في: (الليل، الصماء، الأشباح، الغاصب، جاحظة عيوننا، الدروب الموحشة)، وحقل الحياة والاستمرارية والمتمثل في: (الزيت، المصباح، الأمطار، الخضرة الندية، تشرق، ماء النيل، تفتح الأحضان). وينحاز اللحن اللغوي في النهاية للخصوبة، مؤكدًا أن غياب البطل جسدي لا معنوي.

وقد لاحظنا سيطرة الأفعال المضارعة (لا تكف، نستمطر، تمطر، تبني، يطارد، تشدو) لتمنح البطل صفة “الحاضر الدائم”؛ فالأفعال لا تتوقف بموته. في المقابل، جاء الفعل الماضي (كنا، التقينا، كان) لتوثيق اللحظة التاريخية وصناعة مقارنة زمنية بين زمنين.

استخدم الشاعر الجُمل المؤكدة بـ (لن) النافية للمستقبل (لن يجف، لن توقف) ليعكس صمود المبادئ في وجه الفقد.

تتأسَّس بنية القصيدة على المفارقة الزمنية والمكانية. وتبدأ بمقدمة رمزية (المصباح والساعة)، ثم تنتقل إلى “الماضي الاستذكاري” (ياما التقينا / كنا)، وصولاً إلى “الحاضر الصادم” (اليوم يا رفاق)، وانتهاءً بـ”المستقبل المأمول” (إلى لقاء مقبل).

وقد لاحظنا أن هناك تقابلا بنيويًّا بين بنيتين: بنية الهدم والتحدي: (يخترق الإشارة الحمراء، يدق رأس الغاصب، يكسر الأغلال). وبنية البناء والخصوبة: (يمد الخضرة الندية، يبني بيد، يقيم الصروح). وينتقل الشاعر بنيويًّا من ضمير الغائب (حضرته، حبه) إلى ضمير المتكلم الجمعي (نستمطر، التقينا، عيوننا) ليعبر عن صهر ذات الشاعر في ذات الجماعة (الأمة).

تتبنى القصيدة رؤية فلسفية ترى أن القائد الرمز لا يموت بيولوجيًّا؛ “الزيت في المصباح لن يجف”. الجسد يفنى لكن الفكرة تتحول إلى طاقة تحرك التاريخ. ويوظف الشاعر أسطورة “إيزيس وأوزوريس” الفرعونية بشكل فلسفي عميق. (مصر غدت إيزيس في بسمتها، ماء النيل في شريانه). عبد الناصر هنا هو “أوزوريس” الذي وهب روحه للنيل ليعيد الخصوبة للأرض، ومصر هي “إيزيس” التي استعادت تاجها وحريتها بعد أن أنقذها من “البهلول والسجان” (الملكية والاستعمار).

تظهر بوضوح صدمة الإنكار في المقطعين الأول والأخير. الشاعر يرفض الاعتراف بالموت الفعلي: (كأنه لم يغب، لعله كعادته يبحث عن بقية النجوم، لن تنطفي مشاعر الأحلام). هذا الإنكار آلية دفاع نفسية لحماية الذات الجمعية من الانهيار أمام فاجعة الفقد.

وتعلو نبرة الحنين في (ياما التقينا، كنا نعد قلبنا والروح في لقائه) لتعكس حالة من الأمان النفسي البالغ الذي كان يمثله هذا القائد للبسطاء، والكسر النفسي (جاحظة عيوننا الليلة) يمثل لحظة اليتم المفاجئ، ودهشة الحزن العارم.

في نهاية القصيدة، يتحوّل الحزن المدمّر إلى طاقة أمل ووعد بالصمود واللقاء (إلى لقاء مُقبل يا فارس الزمان)، وهو تحول نفسي ذكي يخرج بالمتلقي من إحباط الموت إلى ديمومة الفعل.

وقد لاحظنا أن القصيدة تتحرك عبر ثلاثة أبعاد زمنية متداخلة: الزمن الدائري الأسطوري: (الزيت لا يجف، الساعة لا تكف، الليل والنهار) وهو زمن دائم لا ينتهي، يمثل الخلود ومقاومة الفناء. والزمن الماضي (زمن الإنجاز والزهو): المتمثل في “كنا” و”ياما التقينا”، وهو زمن خطي بطولي شهد انكسار الأغلال، وبناء الصروح، وحماية الوطن، ويتسم بالسرعة والتدفق والانتصار. والزمن الحاضر المباغت (زمن الصدمة): (اليوم يا رفاق، الليلة)، وهو زمن مكثف وثقيل، يصفه الشاعر بأنه “تركض الأيام كأنها يوم بلا ليل… كأنها طرفة عين شاردة”. زمن يتسم بالحيرة والسؤال المعلَّق على التلال.

ويحفل النص بالعلامات الإشهارية والرمزية التي تشكل شفرات يفهمها المتلقي العربي فورًا مثل المصباح والزيت: علامة (أيقونة) على الأمل المستمر والفكر والثورة التي لا تنطفئ. الإشارة الحمراء: رمز للقيود، والخطوط الحمراء، والاستعمار الذي تخطاه قطار الثورة. الساعة الثرثارة الصماء: رمز للزمن البيولوجي والموت الأصم الذي يفرض نفسه على الجميع دون مبالاة بآمال البشر.

الفارس المحجَّل: علامة مستمدة من التراث الشعبي والديني (الخيل المحجَّلة)، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “خَيْرُ الخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الأَرْثَمُ، ثُمَّ الأَقْرَحُ المُحَجَّلُ طْلَقُ اليَمِينِ”. وهي ترمز للشرف، والتميز، والطهارة، والقيادة الهادية.

البهلول والسجان: علامات سيميائية تحقر من شأن القوى الظلامية وأعداء الوطن وتجرد الأعداء من الإنسانية أو الحكمة.

عند كتابة هذه القصيدة (بعد وفاة عبدالناصر في 28 سبتمبر/أيلول عام 1970)، كان أفق توقع القارئ العربي مشحونًا بالانكسار واليتم وصدمة نكسة 1967 ثم الموت المفاجئ. وجاءت قصيدة سويلم لتلبي حاجة نفسية وجدانية لدى المتلقي؛ لم تبك الزعيم، وإنما استثارت كبرياء القارئ أو المتلقي من خلال تحويل البطل الحقيقي إلى بطل أسطوري (أوزوريس / إيزيس). ومع ذلك يترك الشاعر فجوات يملؤها القارئ بخياله وتاريخه المشترك؛ على سبيل المثال: عبارة “يدق رأس الغاصب العنيد ويكسر الأغلال” لا تذكر الأعداء بالاسم (إسرائيل أو الاستعمار الثلاثي)، لكن القارئ يملأ هذا الفراغ فورًا باستدعاء معارك السويس وحرب الاستنزاف.

وكما نعرف فإنه في قصائد الرثاء، يتوقع القارئ معجمًا جنائزيًّا (كفن، قبر، بكاء، نهايات)، لكن الشاعر كسر هذا الأفق تمامًا في السطر الأول: “الزيت في المصباح لن يجف”. هذا الكسر الاستهلالي صدم المتلقي وحفّز وعيه لاستقبال الرثاء بوصفه “نشيد حياة” لا “مرثية موت”.

يمثل المقطع الأخير من القصيدة ذروة التلاحم الدرامي والنفسي في النص؛ حيث يلتقي فيه حاضر الفاجعة بأمل المستقبل، ويتحول الحزن والإنكار إلى وعد تاريخي بالصمود.

ومعجم هذا المقطع يتأرجح بين أفعال تدل على الغياب الصادم (تركض الأيام، حائرًا، يغب) وألفاظ تؤكد الحضور والخلود (البسمة، الصدق، ماء النيل، لم يغب، تراه). واستخدم الشاعر أدوات النفي (لا يزال، لم يغب، لم تزل، لا يعرف) ليس لنفي الفعل، بل لأنسنة الخلود ونفي الموت عن البطل.

عبارة “ماء النيل في شريانه” هي ذروة التلاحم اللغوي، حيث تحول البطل من كائن بيولوجي إلى كائن طبيعي جغرافي، فالنيل لا يموت وكذلك شريان البطل.

يبدأ المقطع بصرخة الحاضر الصادمة (اليوم يا رفاق) وينتهي بالاستشراف المستقبلي (إلى لقاء مُقبل)، وهذا الانتقال الهندسي يحمي البنية من الانهيار في فخ اليأس. وتكرار تركيب (اليوم يا رفاق) مرتين يعمل كوقفة تنبيهية، في حين يعود تكرار الـ (لا) النافية ليخلق إيقاعًا داخليًّا يشبه دقَّات قلب تقاوم التوقف. ويتحول السطر الشعري في النهاية من جمل وصفية طويلة إلى جمل قصيرة وحاسمة تشبه “البيان الثوري” أو “النشيد” (أنشودة خالدة.. إلى لقاء مقبل).

يطرح سويلم – في هذا المقطع – تساؤلاً وجوديًّا عميقًا: (والسؤال لا يزال معلقًا وثائرًا وحائرًا على التلال). هذا الحيرة ليست عجزًا، بل هي رفض فلسفي لفكرة أن ينتهي القائد الرمز بمجرد توقف أنفاسه. ويصف الشاعر الوطن والبطل معًا بأنهما (أيقونة لا تقبل المساومة). الفلسفة هنا ترفع البطل إلى مرتبة “المقدس الرمزي” غير القابل للبيع، أو النسيان، أو التغيير بفعل العوامل السياسية أو الزمنية.

قصيدة “وترجل الفارس” للشاعر أحمد سويلم:

الزيت في المصباح لن يجف

 والساعة الثرثارة الصماء لا تكف

 لن توقفَ الإشارةُ الحمراء

 قطاري العجول

 فلتسقط الأمطار في الليل وفي النهار

 لتغسل القلوب من جديد 

***

ها نحن في حضرته نستمطر الدعاء

 تحفنا الذكرى على أجنحه الطيور

 تحمل الرسائل المعطرة

 وتمطر الحب على القلوب الظامئة

***

 لا تسألوا نلقاه أين؟

 كنا بطول النيل نستقبله صفين

 كنا نعد قلبنا والروح في لقائه.. والعين

 وكان حبه في القلب حجم الكون

***

 يا ما التقينا

 تشرق في شفاهنا ابتسامة النصر

 وأصدق العهود

 نمد أيدينا لومضة تلوح في جبينه

 فيمد الخضرة الندية الأبعاد

 في الليل والنهار

 في بسمة الأطفال

 في عزائم الرجال

 وهي تبني بيد.. وتحمل السلاح في اليد الأخرى

 وتحفظ الوطن

***

كنا نراه فارسا محجلا على التلال

 يحرس أسوار الأميرة الجميلة

 يصعد راسما بخيط ضوئه

 نضارة الآمال

 يطارد الأشباح والطقوس والملال

 والعطش القديم والمجاعة

 ويشهد التاريخ يقرع الطبول

كى تصحو القلوبُ من سباتها الطويل

 يقيم فوق شاطئ النيل الصروح شامخة

 تشدو نشيد الحب والأصالة

 تعانق السماء والنجوم. 

***

يا ما التقيناه يشق الليل نصفين

 وينقذ الاميرةَ الجميلة

 من قبضه البهلول والسجان

 يلبسها التاج فتغدو فوق شط النهر

 إيزيس في بسمتها البهية

 ويشهد الزمان والمكان

 كي تصير مصر كنانة الله على البسيطة

 وتفتح الأحضان.. 

تهدي شمسها الدافئة الحنون

 تروي عطش العشاق ماء النيل

 كي يعود دائما بالحب والأشواق

***

ياما التقيناه يدق رأس الغاصب العنيد

 ويكسر الأغلال

 يستعيد خطونا وزهونا 

ونحن من ورائه نبارك الخطى ونعلن الصمود

***

اليوم يا رفاق

جاحظة عيوننا الليلة وهي ترصد التلال

 الفارس الحبيب كان بالأمس يمر من هنا

  يجفف الدمع

 يجسد الحلم ويهدي البسطاء في الدروب الموحشة

 لعله كعادته يبحث عن بقية النجوم في الشفق 

لعله راح يلملم الزهور والثمار في البستان

 يطوق الأرض ويحمل الوطن

 أيقونة لا تقبل المساومة

 اليوم يا رفاق

 تركض الأيام

 كأنها يوم بلا ليل ولا نجوم

 كأنها طرفة عين شاردة

 والسؤال لا يزال

 معلقًا وثائرًا وحائرًا على التلال

 كانه لما يغب

 ما زالت البسمة في شفاهه

 والصدق في لسانه

 وماء النيل في شريانه

 لا يعرف الكدر

 لن تنطفي مشاعر الأحلام في دروبنا

 ولم يغب لحن الملايين التي أحبته

 ولم تزل قلوبنا تراه

 فارس العصر الذي عاش وفي شفاهه الوطن

 أنشودة خالدة لا تقبل المساومة

***

إلى لقاء مقبل يا أيها البطل

إلى لقاء مقبل يا فارس الزمان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *