الرياض – عادت صادرات النفط الخام من دول الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب، بل تجاوزتها في عدة أيام خلال أواخر سبتمبر/أيلول، في تطور يعكس قدرة المنتجين على إعادة رسم طرق تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز الذي كان محوراً رئيسياً للصراع.
وأظهرت بيانات شركة “كيبلر” لتتبع حركة ناقلات النفط أن صادرات الخام من دول الخليج، باستثناء إيران، تجاوزت 18 مليون برميل يوميا في أربعة أيام من أصل سبعة في الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول.
وبلغت الكميات بين 19.5 و22.5 مليون برميل يومياً في تلك الأيام، بينما وصل متوسط سبعة أيام في الأول من أكتوبر/تشرين الأول إلى نحو 18.5 مليون برميل يومياً، مقابل خط أساس يبلغ حوالي 18 مليوناً قبل الحرب.
ولا تعني هذه الأرقام أن حركة النفط عادت بالكامل إلى طبيعتها، إذ تختلف التقديرات باختلاف ما إذا كانت تحسب الخام وحده أو تشمل المكثفات والمنتجات النفطية، كما تختلف الحدود الجغرافية والفترات الزمنية المستخدمة.
وقدرت “كيبلر” صادرات الخام غير الإيرانية في الفترة بين الأول والثامن والعشرين من سبتمبر بنحو 16.5 مليون برميل يومياً في المتوسط، وهو مستوى يعادل تقريباً متوسط ما قبل الحرب.
وقدرت “جي بي مورغان” تدفقات الخام في المنطقة بنحو 17.5 مليون برميل يومياً، أي نحو 98 بالمئة من مستويات ما قبل الحرب، بينما رفعت “غولدمان ساكس” تقدير صادرات دول الخليج إلى نحو 23.3 مليون برميل يومياً في الأسبوع الأخير من سبتمبر، عند احتساب نطاق أوسع من التدفقات.
وتكشف هذه الفوارق في الأرقام عن اختلاف طرق القياس أكثر مما تعكس تناقضاً في الاتجاه العام: صادرات الخام الخليجية استعادت إلى حد كبير مستويات ما قبل الحرب، بينما لا تزال أجزاء أخرى من قطاع الطاقة، وخصوصاً المنتجات المكررة، تعاني اضطرابا كبيراً.
وتكمن أهمية التطور في الطريقة التي تحقق بها. فقبل الحرب كان نحو 83 بالمئة من خام دول الخليج يمر عبر مضيق هرمز، لكن “كيبلر” قدرت أن نحو 60 بالمئة فقط من الخام الخليجي خرج عبر المضيق في سبتمبر/ايلول، بما يعادل قرابة 9.9 ملايين برميل يومياً. وخرج نحو 23 بالمئة من موانئ تقع خارج المضيق، ولا سيما الفجيرة في الإمارات، بينما عبر نحو 17 بالمئة البحر الأحمر.
وبذلك أصبح نحو 40 بالمئة من الخام الخليجي يتجنب هرمز، مقابل حوالي 17 بالمئة قبل الحرب.
وأعادت السعودية بصورة خاصة تفعيل خطوط بديلة لتصدير النفط. فخط أنابيب شرق-غرب، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر وينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، سمح للمنتج السعودي بالوصول إلى الأسواق من دون المرور بالمضيق.
وتحول الخط خلال الحرب من مسار احتياطي إلى عنصر رئيسي في أمن صادرات النفط، رغم تعرضه لهجمات أدت إلى توقف شحنات ينبع مؤقتاً في سبتمبر/ايلول. وبعد تعطل الخط، ارتفعت حركة الناقلات في الموانئ الشرقية، قبل أن تعود الأرصفة في ينبع إلى الامتلاء بعد استئناف تشغيله.
وأظهرت بيانات “كيبلر” أن صادرات السعودية بلغت نحو 5.1 ملايين برميل يومياً في سبتمبر، مقابل حوالي 3.2 ملايين للإمارات و2.6 مليون للعراق، مع وجود نحو 3.4 ملايين برميل أخرى لم يكن من الممكن تحديد منشئها بصورة نهائية بسبب عمليات النقل البحري المعقدة.
وتملك الإمارات بدورها ميزة استراتيجية بفضل خط أنابيب أبوظبي الذي ينقل النفط إلى الفجيرة على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز. وارتفعت تحميلات الفجيرة من نحو 1.1 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى حوالي 2.7 مليوناً خلال الأزمة.
لكن التحول الأبرز لم يحدث على اليابسة فقط، بل في البحر. فقد نشأ نظام جديد يعتمد على ناقلات مكوكية تنقل النفط من الموانئ داخل الخليج إلى مناطق أكثر أمنا خارج المضيق، حيث تنقل الشحنات إلى ناقلات أخرى تتابع الرحلة إلى آسيا أو أوروبا.
ورصدت “كيبلر” ما لا يقل عن 63 ناقلة عملاقة من طراز “في إل سي سي” تشارك في هذا النظام، مع رحلات ذهاب وإياب تستغرق نحو 16 يوماً في بعض الحالات. وفي أغسطس/آب، غيّرت أكثر من 70 بالمئة من شحنات النفط التي عبرت هرمز السفينة في البحر، في حين كانت عمليات النقل من سفينة إلى أخرى محدودة للغاية قبل الحرب.
وأصبحت عمليات النقل هذه جزءاً أساسياً من آلية الحفاظ على صادرات النفط، لكنها ترفع في الوقت نفسه المخاطر والتكاليف. كما لجأت ناقلات إلى إطفاء أنظمة التعريف والتتبع “إيه آي إس” أثناء عبورها مناطق عالية المخاطر، ما يجعل تتبع حركة النفط أكثر صعوبة ويجعل بيانات شركات الرصد بمثابة حد أدنى للكميات المؤكدة التي يمكن التحقق منها.
وتفيد بيانات “كيبلر” بأن صادرات الخام غير الإيرانية انهارت بعد إغلاق المضيق في بداية الحرب، إذ تراجع متوسط سبعة أيام في غضون عشرة أيام بنحو 72 بالمئة إلى حوالي 4.5 ملايين برميل يومياً. لكن التدفقات تعافت لاحقاً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف ذلك المستوى، لتقترب من مستويات ما قبل الحرب وتتجاوزها في بعض الأيام.
وفي المقابل، بقيت إيران خارج هذا التعافي إلى حد كبير. فقد كانت صادراتها قبل الحرب تدور حول 1.7 مليون برميل يومياً، بينما أصبحت حركة النفط الإيراني عبر هرمز قريبة من الصفر منذ إعادة فرض الحصار الأميركي في يوليو/تموز، بحسب “كيبلر”. كما تراكمت نحو 20 مليون برميل من مخزونات الخام الإيرانية بين منتصف فبراير/شباط وأواخر مايو/أيار.
وباحتساب إيران، قدرت “كيبلر” صادرات المنطقة في سبتمبر بنحو 91 بالمئة من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يوضح أهمية التمييز بين عودة صادرات دول الخليج وعودة صادرات الشرق الأوسط بأكمله.
ولا تزال آسيا الوجهة الرئيسية للنفط الخليجي.
فقد استحوذت على نحو 84 بالمئة من الخام المصدر من المنطقة في أغسطس، مقابل 87 بالمئة قبل الحرب، بينما ارتفعت حصة أوروبا ومصر ومنطقة المتوسط إلى نحو 16 بالمئة، مع تحول بعض الشحنات السعودية شمالاً عبر البحر الأحمر. وعادت واردات الهند من الخام الشرق أوسطي إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً في سبتمبر، مقتربة من مستويات ما قبل الحرب.
لكن التعافي في صادرات الخام يخفي اضطراباً أكبر في سوق المنتجات النفطية. فقد بقيت تدفقات المنتجات المكررة، ومنها الديزل والبنزين، أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. وقدرت “كيبلر” تدفقات المنتجات عبر هرمز في نهاية سبتمبر بنحو 677 ألف برميل يومياً فقط، مقارنة بنحو 3.6 ملايين برميل يومياً قبل الحرب، أي أقل من خمس المستوى السابق تقريباً.
وقدرت “جي بي مورغان” تدفقات المنتجات المكررة عند نحو 58 بالمئة فقط من مستويات ما قبل الحرب، رغم اقتراب تدفقات الخام من 98 بالمئة.
وهذا الفارق يفسر جزئياً لماذا لا يعني عودة النفط الخام أن أزمة الطاقة انتهت.
فالمشكلة لم تعد تقتصر على كمية النفط الموجودة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المصافي والناقلات والموانئ والتأمين على إيصال المنتجات إلى الأسواق.
وتبرز كلفة النقل مثالاً واضحاً على ذلك. فقد ارتفعت كلفة استئجار ناقلة عملاقة لنقل النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا من نحو 30 ألف دولار يومياً في يناير/كانون الثاني إلى أكثر من 1.2 مليون دولار يومياً. وبحسب رويترز، ارتفعت حصة النقل من نحو 3 بالمئة من سعر النفط المسلم للمشتري قبل الحرب إلى حوالي 27 بالمئة.
ولهذا بقي سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل رغم عودة كميات كبيرة من النفط إلى الأسواق. فالمشكلة، وفق توصيف رويترز، لم تعد نقص الإمدادات وحده، وإنما “نقص اللوجستيات”.
كما بقيت المخاطر الأمنية مرتفعة. فقد سجلت حركة النفط عبر هرمز، في متوسط سبعة أيام حتى 26 سبتمبر، نحو 14.2 مليون برميل يومياً، أي حوالي 80 بالمئة من مستوى ما قبل الحرب. ثم تعرضت ناقلات لهجمات جديدة في الأيام الأولى من أكتوبر، في وقت كانت فيه التدفقات تستعيد عافيتها.
وأفادت تقارير برصد سبع حوادث على الأقل حول هرمز في موجة التصعيد الأخيرة، بينها إصابة الناقلة “كاظمة 3” بمقذوف في الأول من أكتوبر، ما أدى إلى اندلاع حريق وإجلاء أفراد طاقمها. وقالت جهة بريطانية لمراقبة الملاحة إنها رصدت حادثة واحدة على الأقل يومياً في هرمز أو خليج عدن منذ الثاني من أكتوبر.
وحذرت “وول ستريت جورنال” من أن تجدد الهجمات يمكن أن يقوض التعافي في اللحظة التي اقتربت فيها تدفقات النفط من مستويات ما قبل الحرب. وكانت الحماية البحرية الأميركية، إلى جانب إضعاف قدرات الرادار والاتصالات الإيرانية، من العوامل التي ساعدت على استئناف حركة الناقلات.

التعليقات