التخطي إلى المحتوى

ماذا يحدث في فرنسا؟

لا تحتاج فرنسا إلى استدعاء ثورة القرن الثامن عشر كي تتذكر أن الشارع جزء من صناعة القرار، ففي شتاء عام 1995، دفعت إضرابات واسعة حكومة “ألان جوبيه” إلى التراجع عن جزء محوري من إصلاحات التقاعد والضمان الاجتماعي.

 



 

وبعد ثلاثة عقود، ما زالت القاعدة السياسية نفسها حاضرة: حين تحاول باريس نقل تكلفة الإصلاح إلى الأجور أو المعاشات أو الخدمات العامة، يظهر “الفيتو الاجتماعي” خارج البرلمان.

 

الجديد هذه المرة أن الطرف الآخر في التفاوض ليس الحكومة وحدها، فسوق السندات دخل الغرفة أيضًا. لكن من المهم معرفة أن الاحتجاجات العارمة في البلاد حاليًا ليست حركة واحدة ولا سببها التقشف وحده.

 

لماذا يشعر الفرنسيون بالغضب؟

– موجة الاحتجاج الطلابي التي تجاوزت أسبوعين انطلقت أساسًا من شكاوى نقص المدرسين، وتدهور المباني واكتظاظ الفصول، وأغلقت أكثر من 500 مدرسة أبوابها في 7 أكتوبر.

 

– في الوقت نفسه، دخل مدرسون وموظفون عموميون في تحركات ضد تجميد الأجور وخفض الإنفاق، لذلك تبدو الأزمة كأنها التقاء غضبين: مواطن يطالب بخدمات أفضل، ودولة تقول إن مساحة الإنفاق تضيق.

 

– الأرقام تفسر لماذا؟ بلغ الدين العام 3.595 تريليون يورو، أو ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية الربع الثاني.

 

– أيضًا تتوقع الحكومة عجزًا يعادل 5.4% من الناتج المحلي هذا العام، وتريد خفضه إلى 5% في 2027.

وخلال العام نفسه، يُتوقع أن تبلغ فوائد الدين 91.2 مليار يورو.

 

– تريد الحكومة الفرنسية خفض العجز عبر حزمة تقشف تشمل إبطاء زيادات المعاشات، وتقليص بعض المزايا الضريبية للمتقاعدين، وخفض الإنفاق الصحي، وتشديد بعض التعويضات، وتقليص إعفاءات تستفيد منها الشركات، إلى جانب ضغط أكبر على موازنات الوزارات.

 

– المشكلة أنه إذا خففت الحكومة خطتها التقشفية، قد تفقد الأسواق الثقة في قدرتها على ضبط الدين؛ وإذا نفذتها بقوة، قد تتصاعد الأزمة الاجتماعية والسياسية، وهنا تكمن المعضلة الفرنسية.

 



 

أين المشكلة؟

– المشكلة أن فرنسا تبدأ التصحيح من قاعدة إنفاق مرتفعة أصلًا، حيث بلغ الإنفاق العام 57.2% من الناتج في 2025، وهو ثاني أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي، وبفارق 7.7 نقطة مئوية فوق متوسطه.

 

– رفع الضرائب بلا نهاية يضغط على النمو، وخفض الإنفاق يصطدم سريعًا بالشارع. واليوم غذى البرلمان المعضلة الفرنسية حين رفضت لجنة المالية خفضًا ضريبيًا يمس المتقاعدين، وهو جزء من حزمة التوفير الحكومية.

 

– هذا هو سبب “التقشف الآن”، ففرنسا لا تواجه مجرد دين مرتفع، بل إعادة تسعير للدين القديم، حيث ستحتاج الخزانة إلى تمويل يقارب 339.7 مليار يورو في 2027، ما يدفعها نحو برنامج إصدار قياسي.

 

– يأتي ذلك في وقت تُستبدل فيه سندات رخيصة صدرت خلال أزمات الجائحة والطاقة بتمويل أغلى، حيث كل ارتفاع في العائد يرفع فاتورة الفائدة، وكل زيادة في الفائدة تفرض تحقيق وفورات أكبر، وكل وفورات جديدة ترفع احتمال الاحتجاج أو تعطيل الموازنة.

 

ما يخيف الأسواق؟

– عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات تجاوز 5% هذا الأسبوع، وبلغ فارق العائد فوق السند الألماني مستويات لم تُر منذ أزمة ديون اليورو.

 

– محافظ بنك فرنسا “إيمانويل مولان” وصف الوضع، اليوم الأربعاء، بأنه خطير، لكنه قال إن بلاده لا تحتاج حاليًا إلى تدخل البنك المركزي الأوروبي، وإن الحل يجب أن يأتي من تمرير موازنة تخفض العجز.

 



 

– كما دعت “كريستالينا جورجييفا” المديرة العامة لصندوق النقد، الحكومة الفرنسية إلى ضبط أوضاعها المالية، قائلة إن تراكم الاقتراض لمواجهة أزمات متعاقبة، إلى جانب المشهد السياسي المعقد، يزيد صعوبة رسم مسار واضح لتشديد السياسة المالية.

 

– أصبحت فرنسا السوق الأوروبية صاحبة البيئة الأكثر ضغطًا على الشركات، متجاوزة ألمانيا وفق أحدث قراءة لمؤشر “دابليو إي دي آي”، وهو مقياس خاص أعدته شركة “ويل جوتشال آند مانجز”.

 

هل تصبح فرنسا اليونان الجديدة؟

– لا يمكن قول ذلك الآن، والتشابه ربما يكون في آليات الأزمة فقط، حيث عجز مزمن، ودين مرتفع، وكلفة فائدة متزايدة، ثم تبدأ السوق في اختبار قدرة السياسة على التصحيح.

 

– فرنسا ما زالت تمول نفسها من السوق على نطاق ضخم، ولم تحتج إلى برنامج إنقاذ، والأهم أن البنك المركزي الأوروبي لا يملك شيكًا مفتوحًا، ولن يكون التدخل تلقائيًا.

 

– يقول “أنخيل أوبيّدي”، المحلل لدى “سيتادل”، إن فرنسا لا تعد حتى الآن خطرًا نظاميًا على أوروبا، لكنها لم تعد تملك هامشًا لأخطاء مالية. وهذه أقوى حجة ضد سيناريو الانهيار القريب، فالسوق ما زالت تعمل وفرنسا قادرة على الاقتراض.

 



 

– لكن ذلك أيضًا يفسر لماذا سيكون السيناريو الأسوأ (إن وقع) أكبر أثرًا من الحالة اليونانية، فحجم الاقتصاد الفرنسي وسوق ديونه يجعلان فقدان الثقة اختبارًا لبنية اليورو نفسها، لا مجرد أزمة لدولة طرفية.

 

– في عام 1995 انتصر الشارع على جزء من خطة الإصلاح الحكومية، أما في 2026 لم يعد السؤال فقط “من ينتصر؟” الشارع أم الحكومة.

 

– السؤال هو ما إذا كانت فرنسا تستطيع إرضاء الشارع والسوق في وقت واحد؟ وإذا ما فشلت، فهل ستعيد إنتاج تجربة اليونان على نطاق أشد تدميرًا؟

 

المصادر: أرقام- صندوق النقد الدولي- البنك المركزي الأوروبي- المفوضية الأوروبية- المعهد الوطني للسمعيات والبصريات في فرنسا- المعهد الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية- وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية- وكالة الخزانة الفرنسية- رويترز- بلومبرج- سي إن بي سي

للمزيد من المقالات

اضغط هنا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *