لم يخطئ من وصف اكتمال جلاء القوات الأجنبية من العراق في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2026، بأنه حدث تاريخي كبير، كونه يمثل نقطة تحول مهمة، ومحطة مفصلية في مسار استعادة السيادة الوطنية، وطي صفحة الوجود الأجنبي المرفوض والاتجاه إلى معالجة آثار ومخلفات وتراكمات حقبة الاحتلال الأميركي وعموم الوجود الأجنبي.
ولم يخطئ من اعتبر أن الفرصة مواتية للعراقيين الآن لكي يثبتوا قدرتهم على إدارة شؤون بلادهم بحكمة وعقلانية، وتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة، من أجل قطع الطريق، وإغلاق الأبواب أمام أي سيناريوهات مماثلة أو شبيهة بسيناريو داعش الإرهابي صيف عام 2014.
ولم يخطئ من رأى أن إنهاء الوجود الأجنبي لا يمثل نهاية المطاف، بل إن هناك خطوات أخرى لا بد من اتخاذها حتى تكتمل مقومات السيادة الوطنية، وأن هذه المهمة لا تقع على عاتق الحكومة فحسب، بل تتحملها كذلك مختلف القوى والفاعليات السياسية، والنخب الدينية والمجتمعية والثقافية، ووسائل الإعلام، ومراكز التوجيه وصناعة الرأي العام، وعموم المواطنين، كل بحسب موقعه، ومساحات حضوره، ومديات وميادين تأثيره.
في مهرجان يوم السيادة، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي على جملة أولويات أو حقائق ومعطيات واقعية على الأرض، وهي:
انسحاب القوات الأجنبية وإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بشكل تام.
الاتفاق على انسحاب القوات التركية وعناصر حزب العمال الكردستاني، وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية على الأراضي العراقية.
توحيد قوات البيشمركة، بما يعزّز وحدة القرار الأمني والعسكري.
إنهاء وجود أي معارضة أجنبية مسلحة على الأراضي العراقية، وعدم السماح باستخدام العراق منطلقًا للاعتداء على دول الجوار.
ضبط ملف السلاح وفق الدستور والقانون، وبحسب الجدول الزمني المتفق عليه لمعالجة أوضاع الفصائل وإدماجها ضمن مؤسسات الدولة.
الشروع في بناء منظومة دفاع جوي وطنية متكاملة، بما يعزز قدرة العراق على حماية أجوائه وسيادته.
ولا شك أن ترتيب أوراق الملف الأمني يأتي على رأس الأولويات، ومقدمة ومدخلًا أساسيًا للعمل على الملفات الأخرى. إذ إن اكتمال وتكامل المنظومات الأمنية، وتكريس مركزية القرار الأمني، والتنسيق عالي المستوى، من شأنه تعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ التعايش المجتمعي وتحقيق الازدهار الاقتصادي.
والقضية المهمة في الملف الأمني، فضلًا عن الحقائق المشار إليها في كلمة رئيس الوزراء، تتمثل في التركيز على الجانب النوعي التخصصي، فإذا كانت قوة الجيوش تقاس في السابق بعدد أفرادها، وكميات أسلحتها، فإنها باتت مع مرور الزمن تقاس بما تملكه من تقنيات متطورة قادرة على أن تواكب مقتضيات ومستجدات وتحولات العصر، فلم تعد الحروب تخاض بالجنود والدبابات والمدرعات، بقدر ما تخاض بالطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة والاستفادة القصوى من ثورة الذكاء الاصطناع، وأدوات الأمن السيبراني.
ولم يعد أمن أي بلد يتحقق بمقدار عدد الجنود المرابطين على الحدود، وبعدد نقاط التفتيش والسيطرات في الشوارع والأزقة والطرق، ولا بأي مظهر من مظاهر العسكرة والتجييش والتسليح. وهذا ما ينبغي العمل عليه بوتيرة سريعة ومدروسة وممنهجة حتى لا تتكرر أخطاء وكوارث الماضي القريب والبعيد.
والبيئة الأمنية المستقرة، لا شك أنها توفر بيئة سياسية مستقرة، تنحسر وتتقلص فيها الاهتزازات والتقلبات السياسية المسببة للفوضى والاضطراب والصدام، كما كان يحصل إبان وجود تنظيمي القاعدة وبعده داعش الإرهابيين في مساحات غير قليلة من الجغرافيا العراقية طيلة خمسة عشر أو عشرين عامًا.
وبدلًا من الانشغال بالمناكفات والصراعات السياسية الداخلية غير المجدية، يفترض أن تتجه البوصلة للانفتاح على الفضاءات الإقليمية والدولية، عبر سياسة خارجية فاعلة ومنتجة، منطلقة من ساحة داخلية ذات حراك إيجابي جاذب ومثمر.
وبموازاة ذلك، فإن استعادة السيادة الوطنية الكاملة، يستلزم من بين ما يستلزمه، تحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يتطلب تحرير الأموال العراقية من الهيمنة الأجنبية، سواء هيمنة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو أي جهة أخرى. والاتجاه لبناء شراكات اقتصادية استراتيجية رصينة مع دول مهمة وقوية، كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند، بعيدًا عن إملاءات واشتراطات الولايات المتحدة، وأكثر من ذلك، الانضمام إلى تكتلات اقتصادية عالمية ثقيلة ومؤثرة، مثل منظمتات ‘بريكس’ و’شنغهاي” للتعاون، وغيرهما، فضلًا عن الشروع بإصلاحات اقتصادية مدروسة من شأنها أن تحرك عجلة الاقتصاد الوطني.
وتقلل من الاعتماد على الخارج في كل شيء إلى جانب إيجاد مشاريع اقتصادية، تخلق تشابكات في المصالح بين أكبر عدد من الدول، سواء القريبة أو البعيدة، كما هو الحال بالنسبة لمشروع “طريق التنمية”، الذي يمكن أن يساهم في تنشيط القطاع الاقتصادي الخاص في العراق إلى حد كبير، ويجعل العراق يتحول من بلد مستورد بصورة شبه كاملة، إلى بلد مصدر بمقدار نسبي معقول ومقبول.
أضف إلى ذلك، فإن تنويع مسارات تصدير النفط وتأمين بدائل وخيارات جاهزة ومتاحة لاستخدامها في أوقات الأزمات، يعد أمرًا مهمًا للغاية. وقد كشفت تداعيات الحرب الأميركية – الإيرانية، وأزمة إغلاق مضيق هرمز ذلك بوضوح.
كل هذه الإجراءات والسياسات والخطوات، تتيح للعراق تجنب الارتهان لسياسات ومواقف الأطراف الخارجية، وتجعله بمنأى عن التأثر المباشر بأي هزات واضطرابات إقليمية أو دولية وتساعده في بلورة مواقف وقرارات مستقلة ومستندة إلى المصالح الوطنية لا إلى الأجندات الخارجية.
لا يمكن أن يتحقق ذلك بين ليلة وضحاها، بيد أن خارطة الطريق الصحيحة والمسارات الصائبة والمقدمات والمنطلقات السليمة، يمكن أن توصل إلى نتائج ومعطيات ومخرجات مفيدة ومجدية، حتى وإن لم تكن آنية وسريعة.

التعليقات