التخطي إلى المحتوى

بغداد – قرر البنك المركزي العراقي الخميس، منع مصرف التنمية الدولي من التعامل بالدولار الأميركي بأي شكل من الأشكال، وفق وثيقة صادرة عن دائرة الرقابة على المصارف التابعة للبنك، بينما يمثل هذه القرار تطوراً لافتاً في أعقاب العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على المصرف، على خلفية اتهامات تتعلق بتسهيل معاملات مالية إيرانية.

ويطرح تزامن الخطوتين تساؤلات بشأن مدى التنسيق بين بغداد وواشنطن وطبيعة الصلات المالية التي دفعت السلطات الأميركية إلى إدراج المصرف ضمن شبكات قالت إنها تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات.

وتحد هذه الخطوة من قدرته المصرف المذكور على إجراء العمليات المالية بالدولار وتضعه أمام تداعيات مباشرة على نشاطه المصرفي وعلاقاته مع المؤسسات المالية الخارجية.

وجاء القرار بعد أسبوع من إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت شبكات إيرانية تتهمها واشنطن بالالتفاف على العقوبات الدولية. وشملت الإجراءات 16 فرداً و10 كيانات، من بينها مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل، الذي يتخذ من العراق مقراً له.

وتتهم واشنطن المصرف بتسهيل المعاملات المالية الإيرانية وتأمين الوصول إلى الدولار، فضلاً عن الاحتفاظ بعلاقات مع جهات حكومية إيرانية وجماعات مسلحة متحالفة مع طهران داخل العراق، وفق بيان الخزانة الأميركية وهي اتهامات تشكل أساساً للموقف الأميركي، لكنها لا تعني، بحد ذاتها، ثبوت المخالفات ما لم تدعمها إجراءات تحقيق أو أدلة معلنة.

ورفضت إدارة مصرف التنمية الدولي، الجمعة الماضية، اتهامات الخزانة الأميركية، مؤكدة أنها تتعامل مع التطورات المرتبطة بالقضية بأعلى درجات الجدية والمسؤولية والشفافية. ولم تتضمن المعلومات المتاحة في المادة المعلنة تفاصيل إضافية عن رد المصرف على كل اتهام على حدة.

ويعزز توقيت القرار العراقي قراءة مفادها أن بغداد تتحرك في الاتجاه نفسه الذي رسمته واشنطن عبر العقوبات، خصوصاً أن منع التعامل بالدولار يستهدف إحدى أهم القنوات التي تعتمد عليها المصارف للوصول إلى النظام المالي الدولي، لكن التزامن لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق مباشر أو تنسيق مسبق بين الطرفين، ما لم يصدر توضيح رسمي يربط الإجراء العراقي بالعقوبات الأميركية.

وتتجاوز القضية مسألة علاقة مصرف بعينه بإيران إلى التحدي الذي يواجه القطاع المصرفي العراقي في الحفاظ على علاقاته المالية الخارجية، مع تشديد الرقابة الأميركية على حركة الدولار والتحويلات العابرة للحدود. ويعتمد العراق بدرجة كبيرة على النظام المالي المرتبط بالدولار، ما يجعل امتثال مصارفه للضوابط الدولية عاملاً مؤثراً في قدرتها على تنفيذ التحويلات وتمويل التجارة.

وتقدم وثائق وزارة الخزانة الأميركية تفاصيل أكثر تحديداً عن الاتهامات، إذ قالت إن المصرف تأسس في البداية بمبادرة شركات إيرانية لدعم الاقتصاد الإيراني وتوفير الدولار، واتهمته باستخدام رؤوس أموال إيرانية وتحويل أرباح إلى الجمهورية الاسلامية بالدولار.

كما تحدثت عن انتقال رأس مال مصرف إيراني خاضع للعقوبات إلى المصرف العراقي، وعن صلات بين قيادته الحالية وممول عراقي إيراني مزدوج الجنسية قالت واشنطن إنه عمل مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. وتظل هذه التفاصيل جزءاً من الرواية الأميركية الرسمية، وليست حكماً قضائياً مستقلاً يثبت المسؤولية.

ووجود شبهات بشأن استخدام المصرف لتسهيل وصول إيران إلى الدولار ليس مجرد استنتاج نابع من قرار البنك المركزي العراقي، بل يستند إلى اتهامات أميركية معلنة ومحددة، غير أن إثبات حصول عمليات التفاف على العقوبات فعلياً يتطلب الاطلاع على الأدلة المتعلقة بالتحويلات والجهات المستفيدة ومسارات الأموال، وهي تفاصيل لم تُعرض كاملة في المعلومات المتاحة.

وتبقى أمام المصرف فرصة للرد عبر القنوات القانونية والرقابية، وهو ما أشار إليه في بيانه، معلناً استعداده للتعاون مع البنك المركزي العراقي والخزانة الأميركية لتوضيح الوقائع والدفاع عن سمعته.

ويبعث القرار العراقي برسالة إلى واشنطن بشأن الاستجابة للمخاطر التي تهدد امتثال النظام المصرفي، لكنه يضع السلطات العراقية أيضاً أمام ضرورة ضمان أن تستند الإجراءات إلى معايير رقابية واضحة، مع حماية حقوق المودعين واستمرار الخدمات المسموح بها قانوناً، فالتحدي لا يقتصر على منع استخدام الدولار في معاملات يشتبه في ارتباطها بإيران، بل يشمل إثبات قدرة القطاع المصرفي العراقي على الفصل بين النشاط التجاري المشروع وشبكات التمويل التي قد تعرضه للعقوبات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *