تفاعل عربي وانتقادات سياسية
وتجاوز التفاعل مع تصريحات كلينتون حدود الفعالية، إذ ركز متابعون على دلالات الآية القرآنية باعتبارها دعوة إلى المساواة الإنسانية والتواصل بين الشعوب، لا إلى التفاخر بالانتماء العرقي أو القبلي. كما رأوا في استحضارها تأكيداً على أن الاختلاف الديني والثقافي لا ينبغي أن يكون مبرراً للتمييز أو العداء.
وفي تعليق على التصريحات، دعا رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي القره داغي إلى توسيع مساحات الاتفاق بين البشر وتقليص الخلافات التي تعمق الانقسام، معتبراً أن المصالح والقيم المشتركة يمكن أن تشكل أساساً للتعايش متى توافرت إرادة العدل والفهم المتبادل.
وانتقد القره داغي تحويل الخلافات السياسية مع حكومات أو جماعات إلى مواقف تستهدف الإسلام وشعائره، محذراً من أن توظيف الدين في الصراعات السياسية قد يورث الأجيال خصومات طويلة الأمد. واستحضر في هذا السياق مقولة للشيخ محمد الغزالي مفادها أن غياب الإنصاف قد يقطع حتى أواصر القربى.
في المقابل، اعتبر متابعون أن تصريحات كلينتون ينبغي قراءتها في سياق التنافس الحزبي الأميركي، ورأوا أنها قد تخدم الخطاب الديمقراطي الذي يركز على استيعاب الأقليات وغير المسيحيين، في مقابل الخطاب الجمهوري الأكثر تشدداً في بعض الملفات المرتبطة بالهجرة والدين والهوية.
وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الخطاب المتسامح الذي يتبناه الديمقراطيون لا يعفيهم من المساءلة عن سياسات سابقة اتخذتها إداراتهم. لكن هذه القراءات تظل تفسيرات سياسية لمغزى التصريحات، ولا تثبت بمفردها أن الدافع وراءها كان دعائياً أو انتخابياً حصراً.
وتناولت وسائل إعلام أميركية محلية مشاركة كلينتون في اللقاء، فيما ركزت صحيفة “ذي ديلي واير” المحافظة في مقال نشرته في 21 أكتوبر/تشرين الأول على صياغة الاقتباس وخلفيته السياسية، منتقدة تقديم العبارة التفسيرية على أنها نص قرآني حرفي.
لكن التصريح استدعى أيضا استحضار سجل الرئيس الديمقراطي السابق في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث اتخذت إدارته قرارات عسكرية واقتصادية خلفت مئات الاف القتلى.
العراق.. العقوبات والقصف
واصلت إدارة كلينتون سياسة العقوبات والاحتواء المفروضة على العراق بعد غزو الكويت عام 1990، في إطار نظام عقوبات أقره مجلس الأمن خلال رئاسة جورج بوش الأب.
وأدت العقوبات، إلى جانب آثار حرب الخليج وتدمير البنية التحتية وسياسات الحكومة العراقية، إلى أزمة إنسانية حادة خلال التسعينيات، طالت الغذاء والدواء والخدمات الصحية. وأثارت معدلات وفيات الأطفال التي قدرها النظام العراقي انذلك باكثر من نصف مليون طفل وسوء التغذية جدلاً دولياً بشأن الكلفة الإنسانية للعقوبات، وإن بقي تحديد حجم الوفيات التي يمكن نسبتها إليها وحدها موضع خلاف علمي.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1998، أمر كلينتون بشن عملية “ثعلب الصحراء”، وهي حملة جوية استمرت أربعة أيام واستهدفت مواقع عسكرية وأمنية عراقية، بعدما اتهمت واشنطن بغداد بعرقلة عمليات التفتيش عن أسلحة دمار شامل مزعومة.
وبررت الإدارة الهجمات بضرورة إضعاف قدرات العراق ومنعه من تطوير أسلحة تهدد جيرانه. لكن استمرار القصف ومناطق حظر الطيران، إلى جانب العقوبات، عزز الانتقادات الموجهة إلى سياسة الاحتواء الأميركية.
السودان.. مصنع الشفاء في قلب الجدل
وفي أغسطس/آب 1998، أمر كلينتون بشن ضربات صاروخية على أهداف في السودان وأفغانستان، بعد تفجيري السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام اللذين أسفرا عن مقتل 224 شخصاً وإصابة آلاف آخرين.
واستهدفت الضربات في السودان مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم، الذي قالت واشنطن إنها تشتبه في ارتباطه بمواد تستخدم في إنتاج غاز الأعصاب VX وبشبكة أسامة بن لادن.
لكن تدمير المصنع أثار شكوكاً واسعة بشأن الأدلة التي استند إليها القرار، خصوصاً بعدما تبين أنه كان ينتج أدوية للاستخدام البشري والبيطري.
وطالبت منظمة هيومن رايتس ووتش الإدارة الأميركية بالكشف عن المعلومات التي جعلت المصنع هدفاً عسكرياً مشروعاً، وبإتاحة التفتيش الدولي عن المواد المشتبه بها، والنظر في تعويض المدنيين المصابين وأسرة شخص قُتل في الهجوم.
ولم تثبت الأدلة المنشورة بصورة قاطعة أن المصنع كان ينتج أسلحة كيميائية، كما لم يصدر حكم قضائي يقرر أن الضربة كانت جريمة حرب. ومع ذلك، ظلت الواقعة من أبرز الأمثلة على الانتقادات الموجهة إلى قرارات الإدارة الأميركية بشأن استخدام القوة بناء على معلومات استخباراتية لم تُعرض جميع تفاصيلها على الرأي العام.
الصومال.. من التدخل الإنساني إلى معركة مقديشو
وفي الصومال، ورث كلينتون تدخلاً عسكرياً بدأ خلال رئاسة بوش الأب في ديسمبر/كانون الأول 1992 بهدف حماية إيصال المساعدات الإنسانية خلال المجاعة والحرب الأهلية.
لكن المهمة اتسعت في عام 1993 لتشمل فرض الأمن ونزع السلاح، وسط مواجهات مع قوات الزعيم المسلح محمد فرح عيديد.
وفي معركة مقديشو في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1993، قُتل 18 جندياً أميركياً وسقط مئات الصوماليين، وفق تقديرات تاريخية متفاوتة، بعدما أسقطت قوات عيديد مروحيتين أميركيتين.
وأعلن كلينتون لاحقا سحب القوات الأميركية من القتال، وغادرت القوات البلاد في مارس/آذار 1994.
وعلى الرغم من أن التدخل بدأ قبل وصوله إلى البيت الأبيض، فإن إدارته تتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذتها خلال تصعيد المهمة في عام 1993، وما ترتب عليها من خسائر بشرية.
أفغانستان.. ضربات ضد القاعدة
وشملت عملية “الوصول اللانهائي” في أغسطس/آب 1998 مواقع في أفغانستان قالت واشنطن إنها معسكرات تدريب مرتبطة بتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.
وقدمت الإدارة الهجمات باعتبارها رداً على تفجيري السفارتين ومحاولة لمنع هجمات جديدة. لكن العملية لم تقض على قيادة القاعدة، ولم يُقتل بن لادن خلالها.
وأثار توقيت الضربات، الذي تزامن مع أزمة كلينتون السياسية الداخلية على خلفية علاقته بمونيكا لوينسكي، تكهنات بشأن احتمال ارتباط القرار بمحاولة صرف الانتباه عن الأزمة، من دون أن تتوافر أدلة حاسمة تثبت أن ذلك كان سبب الهجوم.

التعليقات