أبوظبي – دخلت الدبلوماسية الإماراتية لانا نسيبة سباق خلافة أنطونيو غوتيريش على رأس الأمم المتحدة، لتفتح الإمارات للمرة الأولى مسار ترشيح شخصية من مواطنيها لهذا المنصب الدولي، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من عقد في أروقة المنظمة، وإلى حضور في ملفات سياسية وإنسانية شكلت جانباً من أولويات مجلس الأمن خلال السنوات الماضية.
وجاء إعلان ترشيح نسيبة بخطاب من الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى رئاستي الجمعية العامة ومجلس الأمن، في خطوة تضع أبوظبي ضمن المنافسة على قيادة المنظمة الدولية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على دورها، من الحروب والنزاعات إلى الخلافات بين القوى الكبرى بشأن إدارة النظام الدولي.
وتنتهي ولاية غوتيريش في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن يتولى الأمين العام الجديد مهامه مطلع يناير/كانون الثاني 2027، لكن الوصول إلى المنصب لا يتوقف على سجل المرشح أو دعم الدولة التي تقدمه، إذ يتطلب توافقاً داخل مجلس الأمن، حيث تملك الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا حق الاعتراض على المرشح، قبل أن تصادق الجمعية العامة على تعيينه.
من أبوظبي إلى نيويورك
تنتمي نسيبة إلى عائلة إماراتية معروفة في المجال الثقافي والدبلوماسي؛ فهي ابنة زكي نسيبة، المستشار الثقافي لرئيس الإمارات، غير أن مسارها المهني تشكل عبر مواقع عمل متدرجة في مؤسسات الدولة، قبل أن تصبح إحدى الوجوه الإماراتية المعروفة في الدبلوماسية متعددة الأطراف.
بدأت ملامح هذا المسار في وزارة الخارجية، حيث أسست عام 2009 إدارة تخطيط السياسات وترأستها لمدة ثلاث سنوات. وعملت كذلك مبعوثة خاصة مشاركة للإمارات إلى أفغانستان وباكستان خلال عامي 2010 و2011، وشاركت في أعمال قمة مجموعة العشرين خلال الرئاسة الفرنسية للمجموعة عام 2011.
وجاء التحول الأبرز في سبتمبر/أيلول 2013، عندما أصبحت أول امرأة إماراتية تتولى منصب المندوب الدائم لبلادها لدى الأمم المتحدة، وهو موقع شغلته حتى أبريل/نيسان 2024. وخلال هذه الفترة، واكبت ملفات الأمن الدولي والعمل الإنساني والتنمية المستدامة، وترأست جلسات لمجلس الأمن أثناء عضوية الإمارات فيه عامي 2022 و2023.
ومن بين المحطات التي تستند إليها أبوظبي في تقديم مرشحتها مشاركتها في صياغة قرارات أممية تتصل بقضايا النزاعات والحقوق والمساعدات الإنسانية، فقد ارتبط اسمها بالقرار 2686 لعام 2023، الذي تناول أثر خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز والمعلومات المضللة في اندلاع الصراعات واستمرارها، والقرار 2681 المتعلق بمنع طالبان النساء والفتيات الأفغانيات من العمل لدى الأمم المتحدة، فضلاً عن القرار 2720 الذي أسس آلية أممية لتيسير زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ولا تقتصر خبرتها على التفاوض بشأن القرارات، فقد ترأست المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2017، وشغلت منصب نائبة رئيس الجمعية العامة في دورتها الثانية والسبعين، وشاركت في رئاسة مفاوضات إصلاح مجلس الأمن. كما أسهمت في أعمال مجموعة معنية بتنشيط الجمعية العامة، وفي جهود تطوير إجراءات اختيار الأمين العام لتعزيز الشفافية والمشاركة.
ومنذ سبتمبر/أيلول 2025، تشغل نسيبة منصب وزيرة دولة، بعدما تولت سابقاً منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية. ويمنحها هذا الانتقال بين العمل الوطني والدبلوماسية الدولية خلفية تجمع بين صياغة السياسات والتفاوض داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
الخبرة لا تحسم السباق
ويمثل سجل نسيبة أحد مرتكزات الترشيح الإماراتي، لكنه لا يكفي وحده لتحديد فرصها، فاختيار الأمين العام عملية سياسية بقدر ما هو إجراء مؤسسي، وتؤدي حسابات الدول الخمس دائمة العضوية دوراً حاسماً في تحديد هوية المرشح الذي يمكن أن يحصل على توصية مجلس الأمن.
وتأتي مشاركتها في السباق في توقيت لا تبدو فيه المنافسة محسومة، فقد أظهرت الجولة السادسة من التصويت غير الرسمي، التي جرت في 16 أكتوبر/تشرين الأول، استمرار العقبات أمام المرشحين المطروحين، إذ حصلت الأسماء المتقدمة على أصوات معارضة من أعضاء دائمين في المجلس، بما يعكس غياب توافق واضح حتى الآن.
وتواجه نسيبة أيضاً تحدياً مرتبطاً بالتوازن الجغرافي؛ إذ برزت خلال السباق دعوات إلى أن تؤول قيادة المنظمة إلى شخصية من أميركا اللاتينية، إلى جانب المطالبات باختيار امرأة للمرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة. ولا يشكل أي من الاعتبارين قاعدة ملزمة في ميثاق المنظمة، لكنه قد يؤثر في الحسابات الدبلوماسية للدول الأعضاء.
وقد يمنح دخول مرشحة جديدة إلى المنافسة الدول التي لم تستقر على دعم اسم بعينه خياراً إضافياً، خصوصاً إذا تعثرت فرص المرشحين الحاليين في تجاوز اعتراضات القوى الكبرى، غير أن هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بمدى استعداد الدول المؤثرة للتعامل مع ترشيحها بوصفه خياراً قابلاً للتوافق، وليس بمجرد امتلاكها خبرة طويلة في المنظمة.
كما أن ترشيحها من دولة خليجية يضعها أمام معادلة دقيقة: تقديم نفسها باعتبارها دبلوماسية قادرة على العمل مع أطراف متعارضة، مع المحافظة على استقلالية الموقع الأممي عن سياسات الدولة التي رشحتها، فالأمين العام لا يمثل حكومته الوطنية، بل يتولى مسؤولية دولية تتطلب التواصل مع جميع الدول الأعضاء وإدارة الأزمات وفق ميثاق الأمم المتحدة.
وتبقى نسيبة مرشحة تمتلك معرفة مباشرة بآليات المنظمة وملفاتها، بينما تتحدد فرصها الفعلية بقدرتها على تحويل هذه الخبرة إلى قبول دولي يتجاوز حدود الدعم الإماراتي. وفي سباق تحكمه التفاهمات والاعتراضات بقدر ما تحكمه الكفاءة، لن يكون سجلها الدبلوماسي سوى أحد عناصر معادلة أكثر اتساعاً.

التعليقات