التخطي إلى المحتوى

السويداء (سوريا) – يخيم التوتر على السويداء في الريف الغربي للمدينة بعد اطلاق ما قالت السلطات السورية “مجموعات خارجة على القانون” مسيرات محملة بقنابل منفجرة في استهداف نقاط للأمن الداخلي، بينما يشير هذا التصعيد إلى تطور مقلق في طبيعة المواجهات بالمحافظة السورية، ويثير مخاوف من عودة التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، في وقت لا تزال فيه التسويات السياسية والأمنية تواجه تحديات معقدة.

ولم تتوافر، وفق المعلومات الأولية، تفاصيل بشأن وقوع خسائر بشرية أو حجم الأضرار، كما لم يصدر بيان فوري عن وزارة الداخلية يوضح ملابسات الهجوم بالمسيرات المفخخة.

ولا يقتصر القلق على الحادثة الأخيرة، بل يرتبط بتكرار الهجمات على مواقع الأمن في المنطقة، ففي الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أطلقت مجموعات مسلحة النار على نقاط لقوى الأمن الداخلي ومنازل في منطقة المزرعة بريف السويداء. وقبل ذلك، أُصيب أربعة عناصر أمن في 31 أغسطس/آب الماضي خلال التصدي لهجمات قالت السلطات إن مجموعات مسلحة نفذتها في الريف الغربي.

ويعكس هذا التسلسل استمرار هشاشة الوضع الأمني، رغم مرور فترة على التوترات الخطيرة التي شهدتها السويداء. كما أن الانتقال من إطلاق النار إلى استخدام مسيّرات تحمل متفجرات، إذا تأكدت تفاصيله، قد يشير إلى تنامي قدرة بعض المجموعات على تنفيذ هجمات عن بُعد، بما يزيد صعوبة حماية المواقع الأمنية ويرفع احتمالات اتساع المواجهات.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ضوء الاشتباكات التي شهدها الريف الغربي في 16 أكتوبر/تشرين الأول، حين تحدثت تقارير عن تجدد القتال بين قوات حكومية ومجموعات من الحرس الوطني، بالتزامن مع نشاط للمسيّرات المحمّلة بالمتفجرات. ويعزز ذلك المخاوف من أن تكون الحوادث المتفرقة جزءاً من حالة احتكاك أمني مستمرة، لا مجرد وقائع منفصلة.

ولا تعني الهجمات بالضرورة أن المحافظة تتجه حتماً إلى جولة واسعة من المواجهات، لكنها تكشف أن الهدوء لا يزال هشاً، وأن التفاهمات الأمنية لم تنجح حتى الآن في إنهاء التهديدات المسلحة أو منع تكرار استهداف المواقع الحكومية. ويتوقف مسار المرحلة المقبلة على طبيعة رد السلطات، ومدى قدرتها على احتواء الهجمات من دون توسيع دائرة المواجهة أو تعريض المدنيين للخطر.

وتكمن الخطورة في أن استهداف قوى الأمن قد يدفع إلى إجراءات أمنية مشددة أو عمليات ملاحقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام ردود متبادلة، خصوصاً إذا غابت قنوات التواصل مع القوى المحلية والمرجعيات الاجتماعية والدينية. وفي محافظة شهدت سابقاً مواجهات دامية ذات أبعاد محلية وطائفية، قد تتحول حادثة أمنية محدودة إلى مصدر توتر أوسع إذا جرى التعامل معها بمنطق التصعيد أو التعميم.

وتصف الرواية الرسمية المنفذين بأنهم “مجموعات خارجة على القانون”، لكنها لا تقدم في المعلومات المتاحة أسماء الجهات المسؤولة أو ما يثبت انتماءها التنظيمي. لذلك، لا يمكن الجزم بأن منفذي الهجوم ينتمون إلى فصيل درزي محدد، كما لا يصح تعميم المسؤولية على أبناء الطائفة الدرزية أو اعتبارهم كتلة سياسية وعسكرية واحدة، فالسويداء تضم قوى محلية ومواقف متباينة حيال السلطات المركزية، ولا يعني نشاط جماعة مسلحة أنها تمثل المجتمع المحلي بأكمله.

ويظل تحديد المسؤولية بدقة ضرورياً لمنع توظيف الحوادث في تأجيج الانقسامات، ولتجنب الخلط بين المساءلة عن أعمال مسلحة وبين الهوية الدينية أو الاجتماعية.

وتضع التطورات السلطات السورية أمام معادلة صعبة: فرض الأمن ومنع استخدام السلاح ضد المؤسسات، بالتوازي مع تجنب إجراءات قد توسع المواجهة أو تعمق انعدام الثقة. كما أن نجاح الاحتواء يتطلب تحقيقاً واضحاً في الهجمات، وحماية المدنيين، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع القوى المحلية.

وتعيد هجمات المسيّرات شبح التوتر إلى السويداء، لكنها لا تحسم وحدها اتجاه المحافظة نحو مواجهة جديدة، بينما سيكون المؤشر الأهم ما إذا كانت الحوادث ستتوقف عند حدود الاستهدافات المتفرقة، أم ستتبعها ردود عسكرية وانتشار أوسع للسلاح، بما يهدد بتقويض أي فرصة لاستعادة الاستقرار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *