التخطي إلى المحتوى

الرباط ـ توجت المخرجة السينمائية المغربية مريم التوزاني بجائزة لجنة التحكيم عن فيلمها ‘زنقة مالقة’، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من مهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة، في تتويج يضاف إلى مسارها السينمائي الذي فرض حضوره داخل المغرب وخارجه.

ويأتي هذا التكريم تقديرا لما يحمله الفيلم من خصوصيات فنية وجمالية، سواء على مستوى بناء الصورة أو معالجة الشخصيات أو صياغة الحكاية، إذ يقدم تجربة تنفتح على أسئلة إنسانية واجتماعية من خلال رؤية سينمائية تحاول الابتعاد عن القوالب الجاهزة والموضوعات التي استهلكتها التجارب السابقة.

ويتميز ‘زنقة مالقة’ بحضور بصري لافت، حيث لا تتعامل التوزاني مع الصورة باعتبارها مجرد أداة لنقل الأحداث، وإنما تمنحها دورا أساسيا في تشكيل المعنى والتعبير عن التحولات الداخلية للشخصيات.

ومن خلال هذا الاختيار، تتقاطع الصورة مع الحكاية في بناء عالم سينمائي تتداخل فيه التفاصيل اليومية مع الأبعاد النفسية والإنسانية.

وتحرص المخرجة على تطوير لغة بصرية خاصة تقوم على التفاعل بين المكان والشخصيات والإيقاع، بما يمنح الأحداث مساحة للتطور بعيدا عن الاستعجال في تقديم الأفكار أو تفسيرها بصورة مباشرة. ويبدو هذا التوجه جزءا من مشروعها السينمائي القائم على البحث عن زوايا جديدة لقراءة الواقع، وإعادة تقديمه عبر حساسية فنية تنتمي إلى السينما المعاصرة.

ويأتي تتويج الفيلم في مهرجان سلا ليؤكد الاهتمام الذي تحظى به تجربة التوزاني، خاصة أن المهرجان يولي أهمية خاصة للأعمال التي تبرز إسهامات المخرجات في تطوير الخطاب السينمائي وتقديم رؤى مختلفة للقضايا الإنسانية والاجتماعية.

وقد استطاعت مريم التوزاني خلال السنوات الأخيرة أن تحجز لنفسها مكانة بارزة في المشهد السينمائي المغربي والعربي، مستفيدة من تجربة تجمع بين الكتابة والإخراج والاشتغال على الشخصيات بعمق، وهو ما منح أعمالها قدرة على الوصول إلى مهرجانات وجمهور خارج الحدود المغربية.

ولا يرتبط حضور التوزاني في المشهد الدولي بالجوائز وحدها، وإنما يرتكز كذلك على طبيعة الأفلام التي تقدمها، والتي تنشغل بالإنسان في علاقته بالمجتمع والذاكرة والمكان، مع اهتمام واضح بالتفاصيل التي تمنح الشخصيات حضورًا واقعيًا وتبتعد بها عن النماذج النمطية.

ويكشف مسارها الفني عن رغبة مستمرة في اختبار إمكانات جديدة للغة السينمائية، سواء من خلال الكتابة أو إدارة الممثلين أو بناء المشهد، كما تمنح الصورة أهمية خاصة في إنتاج الدلالة، بحيث يصبح المكان جزءًا من الحكاية وليس مجرد خلفية للأحداث.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ‘زنقة مالقة’ بوصفه امتدادا لهذا البحث عن التجديد، إذ يقدم مقاربة تضع الشخصيات في قلب التجربة، وتمنح التفاصيل البصرية والإيقاع السينمائي دورًا في توجيه المتلقي نحو قراءة متعددة المستويات.

وبمنح ‘زنقة مالقة’ جائزة لجنة التحكيم، يضيف مهرجان سلا محطة جديدة إلى مسيرة الفيلم، ويحتفي في الوقت ذاته بتجربة مخرجة تواصل البحث عن أسلوبها الخاص، وتراهن على الصورة والحكاية والشخصية باعتبارها عناصر متكاملة لصناعة فيلم قادر على إثارة النقاش ومغادرة القوالب المألوفة.

ويؤكد هذا التتويج أن السينما المغربية تواصل إنتاج تجارب نسائية تحمل رؤى فنية مختلفة، وتساهم في إعادة تشكيل المشهد السينمائي من خلال أعمال تراهن على التجريب والاشتغال الجمالي، وتضع الإنسان وتفاصيل حياته في صدارة الحكاية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *