تمتلك آلاف الطائرات ولا تبيع تذكرة واحدة .. التجارة الخفية بقطاع الطيران
تخيل أن تمتلك شركة آلاف الطائرات التي تجوب العالم يوميًا، وتحقق من ورائها إيرادات بمليارات الدولارات، دون أن تبيع تذكرة سفر واحدة أو تنقل راكبًا واحدًا.

قد تبدو الفكرة غريبة، لكنها تمثل نموذجًا تجاريًا تقوم عليه صناعة ضخمة، إذ تمتلك شركات متخصصة طائرات تحمل شعارات وألوان أشهر الناقلات الجوية حول العالم، وتؤجرها لهذه الشركات مقابل مبالغ مالية ضخمة.
وتكشف بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) حجم التحول الذي شهدته هذه الصناعة، إذ ارتفعت حصة الطائرات المؤجرة من نحو 10% من الأسطول التجاري العالمي خلال سبعينيات القرن الماضي إلى 58% بنهاية عام 2023.
ورغم أن امتلاك الطائرات يبدو الخيار الطبيعي لشركات تعمل في نقل المسافرين، فإن حسابات التكلفة والتمويل والمرونة التشغيلية قد تجعل استئجارها أكثر ملاءمة في بعض الحالات، خاصة مع ارتفاع تكلفة الطائرات الجديدة وصعوبة الحصول عليها سريعًا.
لكن لماذا تفضل شركات الطيران استئجار طائرات بملايين الدولارات بدلًا من امتلاكها، وكيف تحقق شركات التأجير أرباحها من هذه الصفقات، وهل يكون الاستئجار أقل تكلفة بالفعل أم أن امتلاك الطائرات يظل الخيار الأفضل على المدى الطويل؟
خيار يحافظ على السيولة
تحتاج شركات الطيران إلى استثمارات ضخمة لتوسيع أساطيلها، فإضافة طائرات جديدة لا تعني تحمل تكاليف شرائها فحسب، وإنما تتطلب أيضًا الإنفاق على التشغيل والصيانة وتدريب الطواقم وتوفير قطع الغيار.

ولتوضيح الفارق، أعلنت شركة هاينان إيرلاينز الصينية في يوليو الماضي عن طلب شراء 40 طائرة من طراز إيرباص إيه 320 نيو، بقيمة إجمالية معلنة تبلغ 5.4 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 135 مليون دولار للطائرة الواحدة وفق هذه القيمة.
في المقابل، يمكن لشركة الطيران استئجار طائرة جديدة من فئة الطائرات ذات الممر الواحد مقابل نحو 400 ألف دولار شهريًا، أي ما يعادل 4.8 مليون دولار سنويًا، وفق بيانات إياتا في عام 2026، دون الحاجة إلى توفير ثمن شرائها بالكامل مقدمًا.
أما الطائرات متوسطة العمر من طرازي بوينغ 737 إن جي وإيرباص إيه 320 سيو، فتتراوح تكلفة استئجارها بين 230 و250 ألف دولار شهريًا، ما يمنح شركات الطيران خيارات مختلفة بحسب احتياجاتها وإمكاناتها المالية.
ولا تقتصر أهمية التأجير على الحفاظ على السيولة، بل تمتد إلى منح الشركات مرونة في إدارة أساطيلها، إذ يمكنها استئجار طائرات إضافية لدعم خطط التوسع، ثم إعادتها عند انتهاء العقود بدلًا من الاضطرار إلى بيع طائرات مملوكة لها.
المرونة التشغيلية وإدارة المخاطر
لا تسير تطورات القطاع دائمًا مع توقعات شركات الطيران، فقد يؤدي تباطؤ الاقتصاد أو ارتفاع سعر الوقود أو اندلاع أزمة جيوسياسية إلى تراجع الطلب على السفر، ما يجعل تلك الشركات عاجزة عن تشغيل الطائرات بكامل طاقتها، رغم استمرار التكاليف المرتبطة بها.
وهنا تظهر ميزة أخرى للتأجير، إذ يمنح شركات الطيران مرونة أكبر في تعديل حجم أساطيلها وفقًا لاحتياجاتها، ويساعدها على الحد من مخاطر انخفاض قيمة الطائرات مع تقدمها في العمر أو ظهور طرازات أحدث وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود.

وتختلف درجة اعتماد شركات الطيران على التأجير بصورة كبيرة، إذ كشفت البيانات المالية لمجموعة رايان إير الأوروبية أنها كانت تمتلك 620 طائرة بنهاية مارس 2026، تمثل نحو 96% من أسطولها، مقابل 27 طائرة مستأجرة فقط.
في المقابل، أظهرت بيانات منافستها البريطانية إيزي جيت أن الطائرات المستأجرة شكلت نحو 42% من إجمالي أسطولها البالغ 356 طائرة بنهاية سبتمبر 2025، ما يعكس اختلاف استراتيجيات شركات الطيران في الموازنة بين امتلاك الطائرات واستئجارها.
من يربح من تأجير الطائرات؟
على الجانب الآخر من الصفقة، توجد شركات متخصصة تشتري الطائرات من المصنعين، ثم تؤجرها لشركات الطيران بموجب عقود طويلة الأجل، لتحقق إيرادات من الإيجارات، مع إمكانية إعادة تأجير الطائرات أو بيعها لاحقًا.
وتعد شركة إيركاب الأيرلندية من أبرز الشركات العاملة في هذا المجال، إذ امتلكت بنهاية عام 2025 نحو 1501 طائرة، إلى جانب إدارتها 148 طائرة أخرى، وحققت إيرادات من التأجير بلغت نحو 7.37 مليار دولار خلال العام نفسه، أي بزيادة 5.3% عن العام السابق.
وتكشف المقارنة بين أساطيل عدد من شركات الطيران وشركات التأجير حجم هذه التجارة، إذ تمتلك إيركاب وحدها طائرات أكثر مما تمتلكه شركات طيران كبرى مثل يونايتد إيرلاينز ودلتا إيرلاينز، رغم أنها لا تشغل رحلات لنقل المسافرين.
|
مقارنة عدد الطائرات المملوكة لكبرى شركات الطيران وشركات التأجير:
|
||
|
الشركة
|
الطائرات المملوكة
|
النشاط
|
|
إيركاب
|
1,501
|
تأجير الطائرات
|
|
يونايتد إيرلاينز
|
958
|
طيران
|
|
دلتا إيرلاينز
|
870
|
طيران
|
|
رايان إير
|
620
|
طيران
|
|
أفولون
|
561
|
تأجير الطائرات
|
|
أمريكان إيرلاينز
|
547
|
طيران
|
|
إس إم بي سي أفييشن كابيتال
|
499
|
تأجير الطائرات
|
ولا تعتمد هذه الشركات على تحصيل الإيجارات وحدها، وإنما تسعى إلى المحافظة على القيمة السوقية لطائراتها وإعادة تأجيرها بعد انتهاء العقود، أو بيعها عندما تصبح الصفقة مجدية، مع تحمل مخاطر مرتبطة بتعثر المستأجرين وتراجع قيمة الطائرات.

وفي إشارة على استمرار جاذبية القطاع، أعلنت شركة أفييشن كابيتال جروب الأمريكية في شهر أكتوبر الحالي عن طلب شراء 75 طائرة من عائلة إيرباص إيه 320 نيو، على أن تتسلمها بين عامي 2032 و2035، في أكبر طلبية بتاريخها.
وتضم محفظة الشركة التابعة لمجموعة طوكيو سينشري اليابانية، نحو 500 طائرة مملوكة أو مُدارة أو متعاقدًا على شرائها بنهاية يونيو 2026، وتتعامل مع نحو 85 شركة طيران في قرابة 50 دولة.
واعتبر رئيسها التنفيذي “توماس بيكر” أن الصفقة تعكس ثقة الشركة في مستقبل السفر الجوي على المدى الطويل، ودورها في الربط بين شركات الطيران ومصنعي الطائرات وأسواق رأس المال.
عندما يصبح التأجير عبئًا ماليًا
رغم المزايا التي يوفرها التأجير، فإنه ليس بالضرورة أقل تكلفة من الشراء على المدى الطويل، خاصة أن شركات التأجير تسعى إلى استرداد استثماراتها وتغطية تكاليف التمويل بجانب تحقيق عائد.
كما أن شركات الطيران لا تستطيع عادة إعادة الطائرات المستأجرة وقتما تشاء، إذ تظل ملزمة بشروط العقود ومددها المحددة، وقد تتحمل تكاليف إضافية إذا قررت إنهاء التأجير قبل موعده.

وتزداد هذه الأعباء مع ارتفاع أسعار التأجير عالميًا، إذ كشف الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن إيجارات الطائرات ارتفعت بنحو 20% إلى 30% مقارنة بعام 2019، نتيجة نقص المعروض وتأخر تسليم الطائرات الجديدة.
ومع ارتفاع حجم طلبات شراء الطائرات المتراكمة لدى الشركات المصنعة إلى نحو 18.1 ألف طائرة في مايو 2026، مقابل 17 ألف طائرة في عام 2024، فإن شركات الطيران لا تواجه فقط صعوبة شراء طائرات جديدة، بل قد تجد أيضًا خيارات محدودة في سوق التأجير.
وتقدم شركة الطيران الهندية جو فيرست مثالًا على هذه المخاطر، إذ تقدمت بطلب لإشهار إفلاسها في مايو 2023، ما أشعل نزاعًا قانونيًا مع شركات التأجير التي سعت لاستعادة طائراتها، قبل أن يصدر حكم قضائي يسمح لها باسترداد الطائرات، بعد عام من بداية الأزمة.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن براعة شركات الطيران في امتلاك أكبر عدد ممكن من الطائرات، أو الاعتماد على التأجير لتشغيل معظم أساطيلها، وإنما في قدرتها على اختيار المزيج الأنسب بين الشراء والاستئجار، وفقًا لأوضاعها المالية وخططها التوسعية.
وفي صناعة تتغير فيها أسعار الوقود وتكاليف التمويل والطلب على السفر باستمرار، يعتبر امتلاك استراتيجية مرنة لإدارة الأسطول، أحد أهم العوامل التي تحدد قدرة شركات الطيران على التوسع ومواجهة الأزمات.
المصادر: أرقام- وكالة رويترز- الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)- شركة إيركاب- شركة إيرباص- شركة رايان إير- شركة إيزي جيت- شركة أفييشن كابيتال جروب- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية
للمزيد من المقالات
اضغط هنا

التعليقات