كانبرا ـ توصلت دراسة علمية أسترالية إلى نتائج واعدة بشأن جيل جديد من أجهزة التصوير الطبي، يستطيع إنتاج صور عالية الجودة للجسم خلال دقيقة واحدة فقط، في تطور قد يسهم في تقليص وقت الفحوصات المستخدمة لتشخيص السرطان وتقييم مدى انتشار الأورام، مع الحفاظ على جودة الصور اللازمة لاتخاذ القرارات الطبية.
وأجرى الدراسة باحثون في مركز بيتر ماكالوم للسرطان بمدينة ملبورن الأسترالية، ضمن مشروع بحثي حمل اسم ‘إكويب’، لتقييم أداء جهاز حديث يجمع بين التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني والتصوير المقطعي المحوسب، المعروف اختصاراً باسم ‘بي إي تي/سي تي’. ويتيح هذا النوع من الأجهزة الجمع بين المعلومات الوظيفية التي تكشف نشاط الأنسجة والخلايا، والصور التشريحية التي توضح مواقع الأعضاء والتغيرات الموجودة فيها.
وركزت الدراسة على جهاز ‘أومني 128’ الذي تنتجه شركة ‘جي إي للرعاية الصحية’ الأميركية، ويتميز بمجال تصوير محوري يبلغ طوله 128 سنتيمترا، ما يسمح بالتقاط صور لمساحة واسعة من الجسم في عملية تصوير واحدة، بدلاً من الاعتماد على سلسلة من عمليات التصوير المتتابعة.
وشملت الدراسة 24 مشاركا خضعوا لفحوصات باستخدام خمس مواد تتبع مشعة تُستخدم في تصوير الأورام وتقييم انتشارها.
وتقارن هذه الفحوصات بين توزيع المواد المشعة داخل الجسم، بما يساعد الأطباء على تحديد المناطق التي يظهر فيها نشاط غير طبيعي، وفقاً لطبيعة المادة المستخدمة والمرض الذي يجري تقييمه.
وقارن الباحثون أداء الجهاز الجديد بالتصوير باستخدام الأجهزة التقليدية، كما اختبروا جودة الصور عند جمع البيانات خلال فترات زمنية مختلفة، شملت خمس دقائق وثلاث دقائق ودقيقتين ودقيقة واحدة.
وكان الهدف تحديد أقصر مدة يمكن خلالها الحصول على صور تحتفظ بمستوى كافٍ من التفاصيل لتكون صالحة للاستخدام التشخيصي.
وأظهرت النتائج، التي عُرضت خلال المؤتمر السنوي للجمعية الأوروبية للطب النووي لعام 2026 في النمسا، أن الجهاز استطاع إنتاج صور صالحة للتشخيص الطبي بجودة عالية اعتمادا على بيانات جُمعت خلال 60 ثانية فقط. وتشير هذه النتيجة إلى إمكانية تقليص زمن التصوير بدرجة كبيرة، مقارنة بالفحوصات التي تستغرق عدة دقائق في الأجهزة التقليدية.
وتعتمد هذه التقنية على اتساع مجال التصوير وقدرة الجهاز على التقاط نسبة أكبر من الإشارات الناتجة عن المواد المشعة المستخدمة في الفحص.
وعندما يستطيع الجهاز جمع معلومات من مساحة أكبر من الجسم في الوقت نفسه، يمكن تقليل الحاجة إلى تحريك المريض عبر أوضاع تصوير متعددة، مع الاستفادة من الإشارات المتاحة لإنتاج صور تساعد في تحديد مواقع الأورام وتقييم خصائصها.
قد يكون تقليص مدة الفحص مفيدا للمرضى الذين يجدون صعوبة في البقاء دون حركة لفترات طويلة، كما يمكن أن يخفف العبء المرتبط بالإجراءات التشخيصية، ولا سيما لدى بعض المرضى الذين يعانون ألما أو صعوبة في الحركة.
وقد يتيح تقليل الوقت اللازم لكل فحص استخدام أجهزة التصوير بكفاءة أكبر، بما يفتح المجال أمام استقبال مزيد من المرضى، إذا أثبتت التطبيقات السريرية ذلك ضمن ظروف العمل الفعلية.
وتكتسب هذه الإمكانات أهمية في رعاية مرضى السرطان، إذ يعتمد الأطباء على التصوير لتحديد مواضع الأورام، والكشف عن انتشار المرض، ومتابعة الاستجابة للعلاج، ورصد التغيرات التي تطرأ على الحالة مع مرور الوقت. وتساعد الصور الواضحة في دعم هذه القرارات، لكن قيمة الفحص لا تتحدد بسرعة إنجازه وحدها، بل بقدرته على توفير المعلومات المطلوبة لكل حالة.
ومع ذلك، فإن نجاح الجهاز في إنتاج صور تشخيصية خلال دقيقة لا يعني أن جميع فحوصات السرطان يمكن اختصارها إلى هذه المدة، أو أن التقنية ستؤدي تلقائياً إلى تحسين نتائج العلاج. فذلك يتوقف على نوع الورم، والغرض من الفحص، والمادة المشعة المستخدمة، ومعايير جودة الصور، إلى جانب التحقق من النتائج لدى أعداد أكبر من المرضى وفي ظروف سريرية متنوعة.
وتمثل نتائج دراسة ‘إكويب’ خطوة بحثية مهمة نحو تطوير أجهزة تصوير أسرع وأكثر كفاءة، لكنها تحتاج إلى تقييم أوسع لتحديد مدى إمكانية تطبيقها على نطاق واسع، والمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا منها، ومدى تأثير تقليص وقت التصوير في مسارات التشخيص والعلاج.
وبينما تواصل تقنيات الطب النووي التطور، يبقى الهدف الأساسي هو الجمع بين سرعة الفحص ودقته، وتوفير معلومات موثوقة تساعد الفرق الطبية على اتخاذ قرارات مناسبة، مع تقليل الوقت والعبء اللذين يتحملهما المريض أثناء رحلة التشخيص.

التعليقات