طهران – تجمع روسيا بين الدعوة إلى تسوية سياسية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والسعي إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية التي عززها اضطراب أسواق الطاقة. وتكشف زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، بعد محادثاته مع دول الخليج، عن محاولة موسكو توسيع دورها الدبلوماسي، من دون أن يعني ذلك استعدادها لتحمل كلفة إنهاء الصراع بأي ثمن.
ووصل لافروف إلى طهران الاثنين 19 أكتوبر/تشرين الأول، في أول زيارة له منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، والتقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، بعدما شارك الأحد في اجتماع الحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي في المنامة.
وفي طهران، أكد عراقجي ضرورة معالجة أزمات المنطقة عبر الدبلوماسية، وحمّل الولايات المتحدة مسؤولية انعدام الأمن في مضيق هرمز، داعياً إلى ترتيبات أمنية تقودها دول المنطقة بعيداً عن القوات الأجنبية. وأعلن لافروف استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الأزمة، في حين شدد بزشكيان على أهمية الحوار وتسريع تنفيذ الاتفاقات الثنائية.
لكن انتقال لافروف من المنامة إلى طهران وضع موسكو أمام اختبار يتجاوز إعلان التضامن مع إيران. فدول الخليج تطالب روسيا باستخدام نفوذها للضغط على طهران لوقف الهجمات واستعادة حرية الملاحة، فيما تنتظر إيران دعماً سياسياً واقتصادياً في مواجهة الضغوط الأميركية.
ودعا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي موسكو، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، إلى المساهمة في حمل إيران على وقف الهجمات واحترام حرية الملاحة والانخراط في حوار جاد مع دول المجلس. كما شددت دول الخليج على ضرورة أن تتناول أي تسوية مستقبلية البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين ودعم طهران جماعات مسلحة في المنطقة.
ويعكس هذا التباعد في الأولويات حدود الدور الروسي. فامتلاك قنوات اتصال مع الأطراف لا يمنح موسكو بالضرورة القدرة على تغيير حساباتها أو فرض تسوية تلبي مطالبها المتعارضة.
النفط.. مكاسب ملموسة لا تعني تفضيل الحرب بلا نهاية
يوفر اضطراب أسواق الطاقة أحد أبرز الحوافز الاقتصادية التي تجنيها روسيا من الحرب. فقد أدت القيود على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، إلى ارتفاع الأسعار وزيادة أهمية الإمدادات البديلة.
وفي أبريل/نيسان، أفادت حسابات رويترز بأن إيرادات روسيا من ضريبة استخراج النفط الرئيسية كان متوقعاً أن تبلغ نحو 9 مليارات دولار، أي أكثر من ضعف مستواها في مارس/آذار. وارتفع متوسط سعر خام الأورال الروسي في مارس إلى 77 دولاراً للبرميل، مقابل 44.59 دولاراً في فبراير، مع اتساع أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب.
وتواصل أثر ارتفاع الأسعار في الخريف. فقد توقعت رويترز في 15 أكتوبر أن تصل إيرادات الموازنة الروسية من ضرائب النفط والغاز إلى نحو تريليون روبل، أي قرابة 12 مليار دولار، خلال الشهر، بزيادة 10 في المئة على أساس سنوي. وعزت الوكالة الزيادة أيضاً إلى مدفوعات ضريبية مرتبطة بأرباح شركات النفط، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية ساعد في تعويض تراجع الإنتاج.
ومع ذلك، ظلت الإيرادات النفطية والغازية الروسية خلال الأشهر العشرة الأولى من العام أقل بنحو 14 في المئة من الفترة المقابلة في 2025، وفق تقديرات رويترز. وهو ما يشير إلى أن مكاسب الأزمة خففت الضغوط على الموازنة، لكنها لم تبددها.
ولا تقتصر الفائدة المحتملة على الأسعار. فقد أشار الباحث في الشؤون الإيرانية والروسية نيكيتا سماجين، في تحليل نشرته الجزيرة، إلى أن تعطل وصول النفط الإيراني إلى الصين قد يدفع بكين إلى زيادة مشترياتها الروسية، ما يعزز موقع موسكو في سوق تتنافس فيها الدولتان على المشترين أنفسهم.
لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة بمدة اضطراب الإمدادات وبقدرة روسيا على زيادة صادراتها وأسعار بيعها. كما أن استمرار الحرب قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد تقلبات الأسواق، في حين قد يؤدي استقرار الملاحة إلى تقليص علاوة المخاطر النفطية من دون أن يضمن انهيار الأسعار.
الحرب تخفف بعض الضغوط على موسكو
تمنح الأزمة الروسية فرصة أخرى تتمثل في استحواذ الشرق الأوسط على جزء من الاهتمام والموارد الدبلوماسية والعسكرية الأميركية، في وقت تواصل فيه واشنطن التعامل مع الحرب في أوكرانيا. لكن قياس أثر هذا الانشغال في حجم الدعم الأميركي لكييف يتطلب أدلة مستقلة، ولا يكفي افتراض أن تعدد الأزمات يؤدي تلقائياً إلى تراجع الدعم.
كما أن ارتفاع الإيرادات الروسية لا يلغي الضغوط على قطاع الطاقة. فقد أفادت رويترز في 16 أكتوبر/تشرين الاول بأن هجوماً أوكرانيا ألحق أضراراً بمصفاة ريازان، في وقت ساهمت فيه المخاوف من تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط والهجمات على المنشآت الروسية في دفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة.
شراكة استراتيجية لا تتضمن ضمانة دفاع عسكري
تمنح العلاقات الروسية الإيرانية موسكو حافزاً للحيلولة دون إضعاف طهران بصورة تقوض موقعها الإقليمي. فقد وقع البلدان في يناير/كانون الثاني 2025 معاهدة شراكة استراتيجية لمدة 20 عاماً تشمل الأمن والدفاع والطاقة والتجارة والنقل.
لكن المعاهدة لا تلزم أياً من الطرفين بالتدخل العسكري للدفاع عن الآخر إذا تعرض لهجوم. وهذا فارق أساسي بين الشراكة الاستراتيجية والتحالف الدفاعي الملزم.
وفي ظل الحرب الحالية، لا تكفي المواقف الروسية المنددة بالهجمات على إيران لإثبات استعداد موسكو لخوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. كما أن التقارير المتعلقة باحتمال تقديم روسيا والصين دعماً استخباراتياً أو عسكرياً لطهران لا تسمح، من دون أدلة إضافية، بتحديد حجم الدعم الروسي الفعلي وطبيعته بدقة.
وقد يكون الحفاظ على قدرة إيران على الصمود سياسياً واقتصادياً هدفاً روسياً مهماً، لكن ذلك لا يعني أن موسكو ستتحمل جميع مخاطر التصعيد دفاعاً عنها. فالتدخل المباشر قد يوسع المواجهة ويهدد علاقات روسيا مع دول الخليج ومصالحها الأوسع.
وساطة لحماية النفوذ أم محاولة لإنهاء الحرب؟
تسعى موسكو إلى تقديم نفسها طرفاً يستطيع التواصل مع إيران ودول الخليج، والمساهمة في صياغة ترتيبات أمنية إقليمية. وطرح لافروف في المنامة تصوراً لتعزيز الحوار بين دول الخليج وجيرانها، فيما أكد في طهران استعداد روسيا للمساعدة في معالجة الأزمة.
ويتيح هذا المسار لموسكو فرصة لتعزيز حضورها السياسي في منطقة تتزايد فيها المخاوف الأمنية. لكنه يضعها أمام مطالب متعارضة: فدول الخليج تريد وقف الهجمات وضمان حرية الملاحة، بينما تركز طهران على الضغوط الأميركية والحصار والعقوبات والوجود العسكري الأجنبي.
وتظل قدرة روسيا على الجمع بين هذه المصالح محدودة ما لم تقبل الأطراف المعنية بتقديم تنازلات. فموسكو تستطيع فتح قنوات اتصال والدفاع عن مواقف إيران في المحافل الدولية، لكنها لا تستطيع ضمان قبول واشنطن شروط طهران أو موافقة إيران على مطالب الولايات المتحدة ودول الخليج.
كما أن أي نجاح دبلوماسي روسي قد يعزز مكانتها بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب، حتى لو أدى وقف التصعيد إلى تراجع بعض المكاسب النفطية الاستثنائية.
في المحصلة، تتوافق معطيات المرحلة مع سياسة روسية تسعى إلى احتواء مخاطر الحرب مع الاستفادة من التحولات التي أحدثتها في أسواق الطاقة وموازين النفوذ. وقد يمنح استمرار الاضطراب موسكو مكاسب مالية وفرصاً استراتيجية قصيرة الأجل، لكن الحرب المفتوحة تحمل أيضاً مخاطر على شراكاتها الإقليمية وعلى استقرار التجارة والطاقة.
والاختبار الحقيقي للدور الروسي ليس في إعلان الاستعداد للوساطة، بل في ما إذا كانت موسكو ستتمكن من تحويل علاقاتها مع طهران ودول الخليج إلى خطوات عملية لخفض التصعيد، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع بعض المكاسب التي حققتها من اضطراب الأسواق.

التعليقات