يبدو أن قوى عديدة في مصر قررت مبارحة الجمود السياسي الذي خيّم على عناصرها المدنية الفترة الماضية. عقب إعلان الرئيس عبدالفتاح السيسي عدم المساس بالدستور وابتعاده عن السلطة بعد انتهاء مدته الرئاسية الحالية، بدأت بعض القوى تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي، وإبداء رأيها في الخطوتين واشتبك أشخاص كثيرون معهما بالمدح والنقد، والتحفظات والشكوك وظهرت رغبات عارمة للتعبير عن الآراء وتبني مواقف مما قيل بشأن الدستور وشروط الترشح للرئاسة قبل أيام.
زادت ملامح الحراك مع طلب الرئيس السيسي من البرلمان المصري تفويضا لإرسال قوات للدفاع عن الأراضي السعودية. عقد مجلس النواب جلستين يومي الأحد والاثنين (18 و19 أكتوبر/تشرين الأول) وأرجأ استكمال المناقشات إلى الاثنين المقبل، ما فسره كثير من المصريين على وجوه مختلفة، منهم من اعتبر الإرجاء لوجود انقسام داخل البرلمان ما يتطلب المزيد من المناقشات ومنهم من أرجعه إلى خلافات حول طبيعة القوة الدفاعية والمهام التي يجب أن تقوم بها. هناك شريحة قالت إن وساطة مصرية بدأت تنشط باتجاه إيران وجماعة أنصارالله (الحوثي) لإيجاد تسوية سياسية مع السعودية.
بعيدا عن التأويلات المتعلقة بالقضايا الثلاث السابقة (الدستور، عدم ترشح السيسي، والسعودية)، فإن ما أحدثته هذه القضايا في الداخل المصري، وربما في الخارج أيضا، يؤكد وجود حاجة إلى المناقشات السياسية الساخنة، من دون النظر إلى طبيعة رؤى المؤيدين والمعارضين والتقديرات التي ينطلقون منها.
تشير هذه الحالة إلى أن هناك قوى سياسية عدة لا تزال حيّة في مصر وترغب في إيجاد موطيء قدم لها، وفترة الكمون الطوعي أو القسري التي سادت الفترة الماضية لم تؤثر فيها أو تنال من عزيمتها. هي على استعداد للانخراط في الملفات الوطنية من مواقع مختلفة، سواء أكانت أحزابا أم جماعات مدنية من مشارب وانتماءات متفرقة، أو حتى أشخاصا لا يحسبون على قوى معينة ومواقفهم نابعة من استقلالهم.
من السهل ملاحظة هذا الاستنتاج من خلال متابعة مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات عدة مهتمة بما يجري في مصر. تعزز القراءة الرئيسية اقتناع الحكومة بأن المجتمع بحاجة إلى مزيد من فتح النوافذ لتدلي القوى المدنية بآرائها السياسية بلا قيود.
لم تعد هناك حاجة إلى قبضة صارمة في ظل الهدوء والاستقرار الأمني الذي تشهده البلاد. كما أن تكبيل وسائل الإعلام التقليدية بالقيود أدى إلى رفع نسب الاقبال على منصات إلكترونية تحظى بهامش كبير من الحرية يصل أحيانا إلى حد الفوضى.
يتبع عدد كبير من المنصات قوى معارضة في الخارج، ما جعل السيطرة عليها بعيدة المنال. علاوة على أن ارتفاع مستوى التضييق يقود إلى الكبت، الذي ربما يفضي إلى انفجار، لا أحد يستطيع معرفة نتائجه وأدوات الاحتواء اللازمة له.
من هنا، بدت القاهرة مقتنعة بأن المناقشات (هايد بارك) مع أو ضد قرارات ومواقف الرئيس السيسي، فوائدها أكبر من أضرارها. ومهما بالغت طريقة التناول في الشرود والابتعاد عما تريده الحكومة من ضوابط، لن تخلو في النهاية من قيمة معنوية تؤكد أن عقل وقلب الدولة مفتوحان لكل الآراء، وقدرتها كبيرة على استيعاب جميع الأطياف.
تحتاج مصر هذه الفورة من الانفتاح السياسي التي أطلق شرارتها الرئيس السيسي عن قصد ليعزز دوره التاريخي في البلاد وتهيئتها لمستقبل واعد، ويجهض التلميحات التي ذهبت إلى رغبته في تعديل الدستور للبقاء في سدة الرئاسة فترة جديدة عقب انتهاء فترته الحالية عام 2030.
قد يكون الشكل الذي أعلن به حماية الدستور وعدم التمديد أخذ طابعا مفاجئا ويحتاج الكثير من التفسيرات، غير أنه حقق أغراضه في توصيل الرسالة الرئيسية المتعلقة بمستقبل الرئيس وابتعاد أسرته عن الحكم.
لعبت المفاجأة والتفسيرات المتباينة دورا كبيرا في الحراك الراهن، فقد هيأت قوى المعارضة نفسها للتعامل مع حملة متخيّلة لتعديل الدستور وتمديد فترة رئاسة السيسي، وفوجئت بما أعلنه أخيرا.
لذلك بقيت التفسيرات المتعارضة هي الزاوية التي تحظى بجدل في الشارع المصري. وتوقفت إشارات المؤيدين للمطالبة باستمرار السيسي في الحكم، لكن مخاوف المعارضين لم تتوقف بعد وتخشى من عواقب الشروط التي وضعها الرئيس المصري للترشح لمنصب الرئيس وإنحيازات الجهة المشرفة على عملية الاعداد (الأكاديمية العسكرية). تكفي هذه المسألة لإثارة النقاش على مواقع التواصل حول أهميتها وجدواها والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها.
قذف الرئيس عبدالفتاح السيسي بأكثر من كرة ثلج الأيام الماضية، كل منها كبر بشكل تسبب في طرح مواقف متعارضة يمكن أن تستفيد منها الحكومة في معرفة التوجهات التي تعتمل في الشارع، إذا كانت تنوي معرفة البوصلة التي يميل إليها في القضايا التي طرحت مؤخرا، وتأخذ في حساباتها المقبلة هموم وهواجس شريحة كبيرة من المواطنين والآليات التي يجب عليها تبنيها لتبديد المخاوف وتقديم التطمينات اللازمة إليهم، حتى تتسنى أجهزة الدولة ترتيب الأوضاع لمرحلة ما بعد السيسي.
من نتائج النقاشات التي يمكن رصدها على مواقع التواصل الاجتماعي، أن بعض القوى السياسية المحسوبة على المعارضة تنتظر من الرئيس السيسي خطوات عملية في مجال توسيع نطاق الحريات العامة بمفهومها الشامل، بحيث تصبح البيئة خصبة لمناقشة القضايا الحيوية بدرجة عالية الديناميكية، وتعزز الإجراءات التي سوف يتم اتخاذها لتعكس الرغبة المعلنة في الإصلاح، مع منح فرصة للقوى المختلفة لمخاطبة الجمهور وعدم حصر ذلك في أحزاب معينة، معروفة بدعمها للحكومة.
المشكلة أن ملامح الحراك الجديد في مصر سوف يظل مرهونا بعاملين، الأول: المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحكومة في الانفتاح، وما يستوجبه من خطوات تشير إلى أن مضمون المرحلة المقبلة مختلفا، والإجراءات الاقصائية التي اتخذت الفترة الماضية كانت ضرورية بسبب تراكم الأزمات الداخلية، والأوضاع القلقة المنتشرة في الإقليم المصحوبة بصراعات وحروب ونزاعات لها انعكاسات مباشرة على مصر.
والعامل الثاني: يتعلق بقدرة القوى المدنية على تجاوز شرنقتها السياسية، وتنظيم صفوفها جيدا بما يتيح لها فرصة للحضور العملي في الشارع، واستقطاب شرائح كبيرة منه لدعمها في الانتخباات الرئاسية القادمة وهي شروط واجبة للتعرف على شكل الخريطة السياسية لاحقا، والتوازنات الحاكمة فيها، ويعني غيابها أن التعديلات في الخريطة الحالية ستكون طفيفة، وقد لا يتم التعرف على الجديد فيها بدقة، إذا تواصلت عملية التدوير في السلطة والمناصب والوظائف المهمة بشكلها الحالي.

التعليقات