لا أعلم أين يكمن الخلل تحديداً: هل هو في طريقة صياغة الاتفاقات المالية بين بغداد وأربيل، أم في عدم تثبيت تواريخها ومددها وآليات انتهائها بصورة واضحة منذ لحظة توقيعها؟ ولماذا لا نرى بعد كل اتفاق مالي وثيقة معلنة تحدد تاريخ بدء الاتفاق وانتهائه، وكيف تتم مراجعة الأرقام وتسويتها؟
هذا السؤال يبدو أحياناً أهم من الرقم نفسه، فالـ120 مليار دينار التي تلتزم حكومة إقليم كردستان بتحويلها إلى بغداد شهرياً لم تعد مجرد رقم مالي، بل أصبحت عنواناً لخلاف أوسع يتعلق بكيفية إدارة العلاقة المالية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وبالطريقة التي تتحول فيها التسويات المؤقتة إلى التزامات مستمرة.
لماذا 120 مليار دينار تحديداً؟ كيف حُسبت؟ هل هي نسبة من الإيرادات غير النفطية الفعلية أم مبلغ ثابت؟ وما المدة التي اتفق عليها الطرفان؟ ومتى ينتهي الالتزام بها؟
عند العودة إلى اتفاق يوليو/تموز 2025، تظهر نقطة تستحق التوقف، فالـ120 مليار دينار لم تُطرح بوصفها رقماً نهائياً، وإنما كدفعة أولية تخمينية عن حصة الخزينة الاتحادية من الإيرادات غير النفطية، على أن تخضع للتدقيق والتسوية من الجهات المالية والرقابية المختصة.
بمعنى آخر، الرقم في بدايته لم يكن نهاية الحساب، بل بداية الحساب. ولذلك فإن أي اتفاق مالي يحتاج إلى تاريخ بداية ونهاية واضحين، وآلية معلنة للمراجعة والتسوية، حتى لا يتحول الرقم المؤقت إلى التزام دائم.
لكن الحساب بين بغداد وأربيل لا يبدأ بما تدفعه كردستان وينتهي عنده: حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية لا تختصر في رواتب الموظفين، بل ترتبط بالنفقات الجارية والمشاريع الاستثمارية والنفقات الحاكمة. ومن هنا يبرز السؤال المقابل: إذا كانت بغداد تطالب بالإيرادات التي يجب أن تدخل في الحساب الاتحادي، فمن حق كردستان أن تسأل عن كامل استحقاقاتها. كم خُصص لها؟ كم أُطلق فعلياً؟ وما الذي نُفذ وما الذي بقي من دون تنفيذ؟
الحساب يجب أن يكون في اتجاهين. وهناك متغير مهم دخل إلى المعادلة: السكان.
بعد التعداد العام للسكان والمساكن في نوفمير/تشرين الثاني 2024، أعلنت حكومة إقليم كردستان أن نسبة سكان الإقليم من مجموع سكان العراق تبلغ 14.14 في المئة، بينما تعاملت الحكومة الاتحادية مع نسبة 12.68 في المئة. وهذا الفرق ينعكس على النقاش المتعلق باستحقاقات الإقليم من موازنة 2027.
فالخلاف هنا ليس إحصائياً فقط إذا كان عدد السكان يدخل في احتساب بعض التخصيصات والخدمات. ومن ثم يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن اعتماد أرقام دقيقة للإيرادات، بينما يبقى الرقم السكاني المؤثر في جانب من الاستحقاقات موضع خلاف؟
ويضاف إلى ذلك أن الإقليم استضاف خلال السنوات الماضية أكثر من 850 ألف لاجئ ونازح. وهذا يعني ضغطاً إضافياً على المدارس والمراكز الصحية والمياه والكهرباء والطرق والخدمات والبنية التحتية. وتظهر بيانات الإقليم أن عدد اللاجئين المسجلين وحدهم بلغ نحو 274.7 ألفاً في أغسطس/آب 2026، إلى جانب أعداد النازحين.
لذلك، فإن الحساب المالي لا يمكن أن ينظر إلى الإيرادات وحدها، بل يجب أن يضع في الاعتبار حجم المسؤوليات والنفقات التي تتحملها مؤسسات الإقليم.
وعند إعداد موازنة 2027، يصبح السؤال الأهم: كيف حُسب استحقاق كردستان؟ ما عدد السكان المعتمد؟ وما حصتها من النفقات التشغيلية والمشاريع الاستثمارية والنفقات الحاكمة؟ وما الذي أُطلق فعلياً؟ وفي المقابل، كم بلغت الإيرادات غير النفطية؟ وكم يجب أن يذهب منها إلى الخزينة الاتحادية؟ وما الذي دُفع وتمت تسويته؟
هنا فقط يمكن وضع الـ120 مليار دينار في مكانها الصحيح داخل الحساب، بدلاً من التعامل معها وكأنها تمثل الحساب كله.
ولا يعني ذلك رفض مبدأ مساهمة الإقليم في الخزينة الاتحادية أو رفض تدقيق الإيرادات. القضية تتعلق بالشفافية في الاتجاهين: ما على الإقليم وفق القانون، وما له وفق القانون والدستور.
وتزداد أهمية ذلك في ظل الظروف التي مر بها العراق والإقليم، من تصعيد إقليمي وهجمات استهدفت منشآت وحقولاً نفطية، وانعكاسات على الطاقة والتجارة والاستثمار والمنافذ والإيرادات.
ثم جاءت لحظة جديدة. في 30 سبتمبر/أيلول 2026 اكتمل الانسحاب العسكري الأميركي من العراق وانتهت مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، مع استمرار التعاون في التدريب والاستخبارات. وأصبح العراق أمام مرحلة تتحمل فيها مؤسساته وقواته الوطنية مسؤولية أمنية أكبر.
لكن المرحلة الجديدة ليست أمنية فقط، فالعراق يحتاج إلى معالجة الإشكاليات المالية والدستورية التي ظلت تتكرر من عام إلى آخر. ومع انتقال مسؤولية الأمن بصورة أكبر إلى مؤسسات الدولة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى علاقة اتحادية واضحة ومستقرة، تحكمها قواعد دستورية ومالية ثابتة، لا تسويات مؤقتة يعاد التفاوض عليها عند كل أزمة.
ملفات الموازنة والنفط والغاز وصلاحيات الحكومة الاتحادية والإقليم والمناطق المتنازع عليها ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من علاقة اتحادية تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات تنفيذ وتسوية يمكن للطرفين الاحتكام إليها.
الإقليم معني بهذه المرحلة بصورة مباشرة، فقد حذرت وزارة شؤون البيشمركة من حساسية الوضع الأمني، وتحدثت عن تعرض الإقليم لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدة أن المجال الجوي للإقليم جزء من المجال الجوي العراقي وأن مسؤولية حمايته تقع أساساً على الحكومة الاتحادية.
الانسحاب الأميركي لا يغير الدستور، لكنه يغير البيئة التي يعمل فيها الدستور. ولهذا فإن الاستقرار الأمني والمالي والدستوري يجب أن يسير في مسار واحد.
وقبل موازنة 2027، ربما تكون الحاجة الأكبر ليست إلى اتفاق جديد على رقم، بل إلى اتفاق واضح على طريقة الحساب: تاريخ بداية ونهاية، آلية مراجعة، تدقيق معلن، وتسوية نهائية لا تترك الأرقام معلقة من سنة إلى أخرى.
العراق دخل بعد 30 سبتمبر/أيلول مرحلة جديدة، والبيئة الإقليمية لا تزال غير مستقرة، فيما تبقى ملفات دستورية ومالية كبرى بحاجة إلى حلول واضحة.
في مثل هذه المرحلة، لا يكفي أن نتفق على رقم. نحتاج أن نعرف من أين جاء الرقم، ولأي مدة، وما الذي يقابله في الطرف الآخر من الحساب، فالـ120 مليار دينار يمكن حسابها، لكن الحساب الحقيقي هو حساب العراق كله: ما له على كردستان، وما لكردستان عليه.

التعليقات