التخطي إلى المحتوى

الدوحة/بيروت –  تعتزم الدوحة بناء محطتين لتوليد الكهرباء في لبنان خلال السنوات الثلاث المقبلة، إلى جانب توريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاما، ضمن مقترح أعدته الحكومتان اللبنانية والقطرية لإنعاش القطاع، وفق وثيقة ‘اطلعت عليها “رويترز”، ما يعكس مساعي قطر لتعزيز حضورها في لبنان من بوابة الطاقة.

ويأتي التحرك في وقت تتطلع فيه بيروت إلى استقطاب الاستثمارات والمساعدات العربية لتخفيف أزماتها المتراكمة، فيما تتزايد أهمية قطاع الطاقة بوصفه مدخلا لإعادة بناء العلاقات وتعزيز النفوذ الإقليمي.

ويشمل البرنامج، وفق الوثيقة، توليد الكهرباء بالغاز، وتوريد الغاز وإعادة تغويزه، وتطوير الطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء بالبطاريات، فضلا عن ربط شبكات الكهرباء إقليميا.

ويعكس هذا التوجه انتقال الدعم القطري المحتمل من المساعدات التقليدية إلى مشروعات استراتيجية طويلة الأمد، يمكن أن تمنح الدوحة موطئ قدم في أحد أكثر القطاعات ارتباطا بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.

كما أن اتفاقا يمتد عقدين لتوريد الغاز، إذا دخل حيز التنفيذ، من شأنه أن يربط جزءا من احتياجات البلاد المستقبلية بالطاقة القطرية، ويوفر أساسا لعلاقة اقتصادية تتجاوز المساعدات الآنية.

ويأتي التحرك بعد زيارة رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى لبنان الأسبوع الماضي، حين تعهد علنا بالمساعدة في إنعاش قطاع الكهرباء، من دون الكشف عن تفاصيل البرنامج. وتمنح المشروعات المقترحة هذا التعهد مضمونا عمليا، لكنها تظل مرتبطة بمدى التقدم في الاتفاقات التنفيذية، وتأمين التمويل، وتوفير الضمانات اللازمة للاستثمار في بيئة اقتصادية ومالية شديدة الهشاشة.

ويشكل قطاع الكهرباء إحدى أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد اللبناني، بعدما أسهمت سنوات من الاختلالات المالية والإدارية في تراكم الخسائر والدين العام، من دون أن تنجح الدولة في توفير التيار على مدار الساعة.

ولا توفر مؤسسة الكهرباء الحكومية حاليا سوى ساعات محدودة من التغذية يوميا، ما يدفع السكان والمؤسسات إلى الاعتماد على مولدات خاصة تعمل بالديزل، وترفع كلفة المعيشة والإنتاج، فضلا عن الأضرار البيئية الناجمة عن انبعاثاتها.

ولا تقتصر أهمية إصلاح القطاع على تحسين الخدمات، بل تمتد إلى خفض الأعباء عن الأسر والشركات، وتعزيز قدرة لبنان على جذب الاستثمارات، في وقت لا يزال فيه التعافي الاقتصادي رهنا بإصلاحات هيكلية ومعالجة أزمة المالية العامة. غير أن تنفيذ المشروعات المقترحة يتطلب أيضا معالجة العقبات المرتبطة بالحوكمة والتمويل واستدامة قطاع الكهرباء، حتى لا تتحول الاستثمارات الجديدة إلى التزامات إضافية على الدولة.

وتتحرك قطر في ساحة لبنانية تتداخل فيها المصالح الخليجية مع الحسابات السياسية، إذ تسعى دول الخليج إلى الحفاظ على حضورها في بلد يشكل موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية عاملين مؤثرين في توازنات المنطقة.

وقد شكلت السعودية والإمارات وقطر أطرافا بارزة في مقاربات الخليج تجاه لبنان، وإن اختلفت أدوات التحرك وأولوياته بين الدعم السياسي والمساعدات والاستثمار.

ومن هذا المنظور، يمكن للمبادرة القطرية أن تعزز موقع الدوحة عبر مشروع يمس احتياجات اللبنانيين اليومية، ويوفر لها حضورا اقتصاديا طويل الأجل، بدلا من الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية. كما تمنح مشروعات الطاقة قطر فرصة لتوسيع علاقاتها مع المؤسسات اللبنانية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى شركاء قادرين على توفير التمويل والخبرات والإمدادات.

لكن نجاح هذا المسار لن يتحدد بحجم التعهدات وحده، بل بقدرة الدوحة وبيروت على تحويل المقترح إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وبمدى استعداد الدولة اللبنانية لتوفير بيئة جاذبة للاستثمار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *