من الصعب تخيل أن أوروبا التي تابعت قبل خمسة عشر عاماً أحداث الربيع العربي وحللت أسبابه، ستجد نفسها اليوم أمام موجة احتجاجات متزامنة يطلق عليها الإعلام اسم ‘الربيع الأوروبي’، فمن باريس إلى تيرانا، ومن روما وميلانو إلى بروكسل ولشبونة ومدريد وأثينا، تتكرر مشاهد المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وما بدأ كحركة طلابية محدودة في سبتمبر/أيلول 2026، تحول خلال أسابيع قليلة إلى حالة من عدم الاستقرار القاري، يصفها البعض بـ”خريف الغضب”.
في أواخر سبتمبر/أيلول، خرج تلاميذ ثانويون في ضواحي باريس احتجاجاً على الاكتظاظ في الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور تجهيزات المدارس، بعد إعلان الحكومة إلغاء 3256 وظيفة تدريس في ميزانية 2026، وزيادة ميزانية التعليم بنسبة 1.7 في المئة فقط، وهي نسبة أقل من التضخم. وسرعان ما انضمت الجامعات، ثم النقابات العمالية وحركة السترات الصفراء. واتسعت المطالب لتشمل تحسين التعليم، وزيادة الأجور والمعاشات، وخفض تكاليف المعيشة، وإعادة فرض ضريبة الثروة.
وفي 17 و18 أكتوبر/تشرين الأول، وصلت الاحتجاجات إلى ذروتها. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بـ550 ألفاً، بينما قالت الكونفدرالية العامة للعمل في فرنسا، إن العدد وصل إلى 800 ألف. وشهدت باريس ومرسيليا وليون وليموج مواجهات عنيفة، ومحاولات لاقتحام متاجر مثل ‘غاليري لافاييت’ ونهب محلات، وإحراق سيارات ومبانٍ عامة، بينها بلدية ليموج التاريخية، التي يبلغ عمرها 140 عاماً، واحترق برجها. وأعلنت الداخلية توقيف أكثر من 1200 شخص في يوم واحد، وجرح نحو 1000 عنصر أمني. ووصفها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بأنها “أثقل حصيلة في النظام المدرسي منذ عقود”، مع إصابة 215 مراهقاً و85 من طاقم المدارس.
وما يميز هذا الحراك أنه غير منسق مركزياً، لكنه متزامن في التوقيت والأسباب، ويُصنَّف ضمن احتجاجات جيل زد.
وفي بلجيكا، بدأ طلاب في لييج الاحتجاج مطلع أكتوبر/تشرين الأول ضد إصلاحات ترفع الرسوم إلى 1194 يورو للعام الدراسي 2026-2027، وتقلص التمويل. وامتدت الاحتجاجات إلى بروكسل، وتزامنت مع إضراب وطني ضد التقشف في 9 أكتوبر/تشرين الأول، شارك فيه عشرات الآلاف.
وفي ألبانيا، اختلطت مطالب الطلاب المتعلقة بجودة الجامعات وفرص العمل مع حركة أوسع تُسمى ‘ثورة الفلامينغو’، ضد مشروع منتجع فاخر على الساحل مرتبط بغارد كوشنر، وتطالب برحيل رئيس الوزراء إيدي راما. ولاحقاً، تحولت المظاهرات في تيرانا إلى مواجهات استُخدمت فيها خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، واعتُقل أكثر من 100 شخص.
وفي اليونان، نصب طلاب خياماً في ميدان سينتاغما، مقابل البرلمان، في 13 أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجاً على الإيجارات التي تصل إلى 500-600 يورو للشقق الصغيرة، مطالبين بضبط الإيجارات وزيادة السكن الطلابي.
وفي إيطاليا والبرتغال وإسبانيا، توسعت التظاهرات في روما وجنوى وتورينو وباري، حيث خرج عشرات الآلاف احتجاجاً على تردي المنظومة التعليمية وارتفاع تكاليف الحياة، رافعين شعارات تندد بتمويل النزاعات المسلحة بدلاً من التعليم. وفي لشبونة وبورتو وكويمبرا، خرجت مسيرات ضد الغلاء وأزمة السكن، بينما بدأ حراك محدود في برلين وهامبورغ تضامناً مع المحتجين.
وفي الواقع، تكشف الاحتجاجات عن أزمة أعمق من مجرد رسوم دراسية، فقد أظهر مسح يوروباروميتر التابع للمفوضية الأوروبية أن 41 في المئة من الشباب يعتبرون تكلفة المعيشة الهاجس الأكبر، تليها مشكلتا السكن والعمل بنسبة 23 في المئة لكل منهما. وفي المقابل، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53 في المئة، والإيجارات بنسبة 25 في المئة، بين عامي 2010 و2024، وفقاً ليوروستات.
وفي فرنسا وبلجيكا، تبدو الخلفية الاقتصادية ثقيلة؛ إذ تسجل الدولتان عجزاً في الميزانية يتجاوز 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يتجاوز العجز في النمسا 4 في المئة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. وتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى خفض الإنفاق، بينما يطالب الشارع بمزيد من الحماية الاجتماعية. وهذا ما دفع بعض المحللين إلى الحديث عن “صراع أجيال”، تُخصص فيه الميزانيات للمتقاعدين على حساب الشباب، بنسبة 21 في المئة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري عن مستقبل العقد الاجتماعي الأوروبي الذي تأسس على العمل ودفع الضرائب مقابل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.
لقد تعاملت الحكومات مع الاحتجاجات بطرق متفاوتة، فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الصبر والحوار، لكن قادة الطلاب اعتبروا الإجراءات غير كافية، فيما رفض إعلان حالة الطوارئ رغم الضغوط. وفي بلجيكا وألبانيا، استخدمت الشرطة الغاز والمياه والهراوات.
ويظهر البعد السياسي في فرنسا، حيث تترقب أحزاب اليمين المتطرف، بزعامة مارين لوبان، واليسار الراديكالي، بزعامة جان لوك ميلانشون، المزاج العام قبل الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان 2027. وتشير تحليلات إلى أن فوز أي من الطرفين سيختبر تماسك أوروبا، من أوكرانيا إلى الهجرة والميزانيات.
إن التشبيه بربيع الشعوب عام 1848، وبالثورة الثقافية عام 1968، يتكرر كثيراً، لكن الخبراء يحذرون من إطلاق أحكام مسبقة؛ فهذه ليست ثورة موحدة بقيادة مركزية، بل موجات تعبئة متفرقة تلتقي عند الإحساس بضيق شروط المعيشة وغياب الإنصاف. كما أن 65 في المئة من الشباب أعربوا عن رضاهم عن طريقة عمل الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي، ما ينفي فرضية الانقلاب على النظام ويؤكد رغبتهم في مؤسسات أكثر مرونة.
إن ‘الربيع الأوروبي’ ليس ربيعاً بمعنى تغيير الأنظمة، بل هو اختبار لقدرة الأنظمة الديمقراطية نفسها على تحويل وعودها الدستورية إلى أمان ملموس وإنصات سياسي. وإذا فشلت في احتواء غضب جيل يرى أن مستقبله سُرق، وأن عنوان سكنه يقرر مستقبله، فقد يتحول هذا الخريف إلى شتاء سياسي طويل يعيد رسم خريطة القارة الأوروبية بأكملها.
ويتمثل الخوف الأكبر في امتداد هذا الحراك إلى خارج القارة الأوروبية، حيث تعاني مجتمعات كثيرة وتترقب التحولات، تمهيداً للتعبير عن رؤاها، في وقت يبدو فيه أن عوامل الانفجار متوافرة بوضوح.

التعليقات