تابعت ليلة البارحة نقاشا ثريا على قناة الأحرار، جمع بين الضيف اليوناني والضيف التركي، والمهندس محمد أمطيريد، وضيف آخر من مدينة مصراتة، حيث تناول السجال الاتفاقية التركية الليبية وانعكاساتها الإيجابية والسلبية على مياه البحر الأبيض المتوسط والشواطئ الليبية المستقبلية.
أودّ التأكيد على مسألة في غاية الأهمية تحسّبا وحماية للسيادة الليبية، وهي ضرورة تجنّب نقل النزاعات الإقليمية إلى الطاولة الليبية أو جعلها مقرا لمناقشتها. فالصراع التركي اليوناني صراع تاريخيٌ معقد قد ينجرف نحو المواجهة العسكرية، ولا ينبغي لليبيا أن تكون طرفا فيه. وبناء على ذلك، يتعين علينا التأكيد لكافة الأطراف على ضرورة تسوية خلافاتها أولا بعيدا عن ليبيا، ثم القدوم الينا على قاعدة التعاون والشراكة القائمة على المصالح المشتركة العادلة والاحترام المتبادلة.
أبدى الضيف التركي استغرابه من الاعتراض اليوناني على الاتفاقية الليبية التركية البحرية التي صادقت عليها الأمم المتحدة، متسائلا عما إذا كانت اليونان ترى نفسها على حق والمجتمع الدولي برمته على باطل.
منطق جميل ولطيف من الضيف التركي.. غير أن الواقع القانوني يؤكد أن الأمم المتحدة لم تصادق على المذكرة، وهي بحد ذاتها ليست اتفاقية بل مذكرة تفاهم، ناهيك عن كون الأمم المتحدة لا تملك سلطة تشريعية أو قضائية للمصادقة على الاتفاقيات بين الدول أو إلغائها. الإجراء الذي تم هو مجرد إيداع وتسجيل رسمي بموجب المادة 102 لتحديد الصلاحيات البحرية بطلب من الجانبين .. إن مجرد التسجيل في الأمم المتحدة لا يضفي مشروعية دولية تلقائية، ولا يلغي تحفظات الدول المجاورة في المتوسط مثل مصر واليونان اللتين تقدمتا باحتجاجات رسمية ضده. والأهم من ذلك، فإن النفاذ القانوني والشرعي للمذكرة داخل ليبيا يظل مرهونا بموافقة مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية، وهو أمر لم يحدث حتى الآن.
صـراع الغـاز على الشواطـئ الليبية
تدور تفاصيل الصراع على الغاز والشواطئ الليبية حول أبعاد إقليمية وجيوسياسية متعارضة، تشمل ترسيم الحدود البحرية، وحقوق التنقيب في شرق البحر المتوسط، إضافة إلى حوادث أمنية وبيئية طارئة قبالة الساحل الليبي، حيث تسعى القوى الإقليمية لفرض نفوذها على مناطق استخراج الطاقة في البحر المتوسط، في ظل سعي أوروبا لتأمين بدائل للغاز الطبيعي الروسي، حيث تعتبر ليبيا خامس أكبر بلد في احتياطات الغاز في أفريقيا لتمتلك نحو 53 تريليون قدم مكعب في باطن مياهها الإقليمية استنادا لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (اتفاقية جامايكا) والتي حددت فيها 22.2 كيلومتر تبدأ من خط الأساس للساحل.
إذن،
نواجه اليوم صراعا بالغ التعقيد، ورغم الخبرة التاريخية والقانونية العريقة التي تمتلكها ليبيا في إدارة النزاعات البحرية وحماية جرفها القاري وحقوقها السيادية ومياهها الإقليمية، إلا أن المتغيرات الدولية المتسارعة تقحم البلاد في أتون نزاع إقليمي محتدم تتشابك فيه مصالح قوى عظمى وإقليمية، كالتحالف اليوناني-الأميركي-الأوروبي المناهض لتركيا، إضافة إلى التجاذبات المتناقضة بين أوروبا ومصر وتركيا حول التنقيب عن الغاز الليبي.
وبناء على ذلك، أؤكد مجددا على أهمية تريّث ليبيا وعدم اتخاذ أي قرارات أحادية في هذا الملف الشائك. إن الموقف الأنسب يتلخص في التزام الحياد مع التمسك بالدفاع عن حقوقنا البحرية عبر الآليات القانونية والدولية، المتمثلة في محكمة العدل الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار ITLOS ، ولجنة حدود الجرف القاري CLCS، وشعبة شؤون المحيطات وقانون البحار DOALOS، فضلا عن إعادة تقييم موقف ليبيا من عدم المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS لعام 1982.
كما يجب مخاطبة هذه المؤسسات القضائية والدولية بتأكيد سيادة ليبيا ورفضها للتكالب على ثرواتها والضغوطات الممارسة عليها، وإبلاغها بأن ليبيا بجغرافيتها وتاريخها لن تسمح بتحويل شواطئها إلى ساحة عسكرية للنزاع الدولي، مع المطالبة بالوقوف معها لحماية مقدراتها.
ختامـا
ينبغي تشجيع جميع الأطراف على حل خلافاتها خارج الحدود الليبية، تمهيدا للترحيب الليبي بالجميع وبناء شراكات حقيقية تحقق المصلحة المشتركة تحت مظلة القانون والأعراف الدولية والإحترام المتبادل لا بالإستقواء والعربدة وإستغلال محنة الشعب الليبي التي يمر بها.

التعليقات