الرباط ـ استمتع جمهور مدينة تطوان المغربية، مساء الخميس، بعرض موسيقي راقص لفن الفلامنكو الإسباني، جمع بين الإيقاعات الحية والحركات التعبيرية، وذلك ضمن فعاليات الدورة الخامسة للمؤتمر العالمي للفلامنكو، في مبادرة ثقافية تسعى إلى تقريب هذا الفن العريق من الجمهور المغربي وتعزيز التبادل الفني بين المغرب وإسبانيا.
واحتضن مسرح المركز الثقافي بتطوان السهرة الافتتاحية للتظاهرة، التي تنظم بمبادرة من سفارة إسبانيا بالرباط، بشراكة مع شبكة معاهد سيرفانتيس بالمغرب، وبالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل. وقدمت فرقة ‘آر إيه دبليو’ عرضا فنيا اتسم بالحيوية والإيقاع المتناغم، مستحضرة خصوصية الفلامنكو الذي يجمع بين الموسيقى والرقص والتعبير الجسدي.
وشارك في العرض الراقصة إيريني موراليس، والفنان فرانسيسكو بلانكو، المعروف بلقب ‘إل كاليريتو’، إلى جانب عازف القيثارة خوسي فيرمين، حيث قدم الثلاثي تجربة فنية مزجت بين أصالة الفلامنكو ورؤية معاصرة تستكشف إمكانات هذا اللون الفني وقدرته على التجدد.
واستند العرض إلى توظيف التناقضات بين نقاء التقاليد وروح التمرد التي تميز التجارب الفنية الحديثة، في معالجة جعلت من الجسد والموسيقى والفضاء المسرحي عناصر متكاملة لبناء حوار بين الماضي والحاضر.
وبرزت في الأداء العلاقة بين إيقاعات القيثارة وحركات الراقصة، التي عكست من خلال خطواتها وتعبيراتها الجسدية الشحنة العاطفية التي تميز الفلامنكو، وهو فن تتداخل فيه الموسيقى والرقص والغناء لتشكيل لغة فنية قادرة على نقل مشاعر الفرح والألم والشغف.
وقدم العرض رؤية فنية معاصرة، بما أتاح للجمهور اكتشاف جوانب مختلفة من هذا الفن الإسباني، الذي يستمد قوته من الجمع بين الانضباط الإيقاعي والارتجال والتعبير الفردي.
ويأتي اختيار تطوان لاحتضان هذه الأمسية في سياق الانفتاح على تجارب فنية دولية، والاستفادة من العروض الحية بوصفها وسيلة للتعريف بالثقافات المختلفة، وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للتفاعل المباشر مع أنماط إبداعية تنتمي إلى بيئات ثقافية أخرى.
أكد مدير معهد سيرفانتس بتطوان، كارلوس أورتيغا، أن الأمسية تأتي ضمن جولة فنية شملت عددا من مراكز المعهد في المغرب، وتهدف إلى التعريف بفن الفلامنكو وإبراز ثرائه التعبيري وتعدد أشكاله، من خلال عروض موسيقية وراقصة وأنشطة ثقافية متنوعة.
وأوضح أورتيغا، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن برنامج التظاهرة يتضمن محطات فنية أخرى، إذ يرتقب أن تحتضن خشبة مسرح المركز الثقافي بتطوان يوم 30 أكتوبر/تشرين الاول الجاري عرضًا تحييه الراقصة سارا خيمينيز، إلى جانب عروض لأفلام وثائقية تتناول تاريخ الفلامنكو ومسارات عدد من أبرز الفنانين الذين أسهموا في تطويره وترسيخ حضوره.
وتتيح هذه الفعاليات للجمهور التعرف على الفلامنكو من زوايا متعددة، لا تقتصر على مشاهدته بوصفه عرضا راقصا، بل تشمل جذوره الثقافية وتحولاته الفنية والشخصيات التي أسهمت في تشكيل هويته عبر الأجيال.
وأشار أورتيغا إلى أن الإقبال الجماهيري والتفاعل مع العروض يعكسان وجود تقاطعات فنية وثقافية بين الفلامنكو والخصوصية الثقافية المغربية، سواء على مستوى الغناء أو الرقص أو طرق التعبير عن المشاعر. وتوفر هذه المساحات المشتركة أرضية للتقارب بين الجمهورين، مع الحفاظ على الخصائص التي تميز كل تجربة فنية.
وشدد على أهمية المبادرات الثقافية المشتركة في تعزيز جسور التواصل بين المغرب وإسبانيا، وتقريب الجمهور المغربي من التعبيرات الفنية التي تشكل جزءًا من التراث الإسباني، إلى جانب توفير فضاءات للتبادل والتفاعل بين الفنانين والجمهور.
وتندرج الأمسية ضمن برنامج الدورة الخامسة للمؤتمر العالمي للفلامنكو، الذي يشمل 14 عرضا فنيا موزعا على ثماني مدن مغربية، إلى جانب أنشطة موازية تضم عروضًا سينمائية ومعارض فوتوغرافية وورشات فنية.
ويعكس هذا البرنامج توجهًا نحو توسيع نطاق التعريف بالفلامنكو، من خلال الوصول إلى جمهور متنوع جغرافيا وثقافيا، وتقديم أشكاله المختلفة عبر عروض مباشرة وأنشطة تتيح التعرف على تاريخه وخصائصه الجمالية.
ويمنح تنوع الفعاليات المشاركين فرصة للاطلاع على جوانب متعددة من هذا الفن، بدءًا من الأداء الموسيقي والرقص، وصولا إلى توثيق مسيرته وتحولاته من خلال الأفلام والصور والأنشطة التفاعلية.
ويحظى الفلامنكو بمكانة بارزة ضمن التراث الثقافي العالمي، إذ أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‘اليونسكو’ ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، تقديرًا لقيمته الفنية والثقافية وما يجسده من تفاعل بين التقاليد والإبداع.

التعليقات