واشنطن ـ يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة في مجال التواصل الطبي، مع تطور الأبحاث التي تسعى إلى تحليل إشارات الدماغ وتحويلها إلى كلمات ومعانٍ يمكن تفسيرها. وقد تمهد هذه التقنيات الطريق أمام وسائل تواصل تساعد الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام بسبب الشلل أو الإصابات الدماغية على التعبير عن أفكارهم واحتياجاتهم.
وتعتمد هذه الأبحاث على خوارزميات قادرة على اكتشاف أنماط في النشاط العصبي وربطها بالمعلومات اللغوية أو البصرية التي يعالجها الدماغ.
ورغم أن هذه التقنيات لا تزال في مراحل البحث والتطوير، فإن نتائج تجارب حديثة تشير إلى إمكانية استخلاص بعض المعلومات من الإشارات الدماغية دون الحاجة دائمًا إلى زرع أجهزة داخل الدماغ.
ويستخدم الباحثون وسائل متعددة لتسجيل النشاط الدماغي، من بينها تخطيط كهربية الدماغ، وتخطيط مغناطيسية الدماغ ، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
وتُحلل البيانات الناتجة باستخدام نماذج ذكاء اصطناعي تتدرب على الربط بين الأنماط العصبية والكلمات أو الصور التي يسمعها المشاركون أو يشاهدونها.
وفي إحدى التجارب، استخدم باحثون في شركة ‘ميتا’ بيانات دماغية جُمعت من 169 شخصا لتدريب نموذج على التعرف على الكلمات التي يستمع إليها المشاركون، ضمن مجموعة تضم 793 كلمة.
وتمكن النموذج من إدراج الكلمة الصحيحة ضمن قائمة تحتوي على 10 احتمالات في 73 بالمئة من الحالات.
وتكشف النتيجة عن قدرة هذه التقنيات على تحديد الكلمات المحتملة استنادًا إلى النشاط العصبي، لكنها لا تعني أنها تستطيع تحويل كل إشارة دماغية إلى كلمة مؤكدة بصورة مباشرة.
وامتدت الأبحاث إلى دراسة إمكانية استخلاص معلومات عن المحتوى البصري الذي يتعرض له الأشخاص، فقد أظهرت تجارب تعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي إمكانية التنبؤ بالفئات العامة لبعض مقاطع الفيديو التي يشاهدها المشاركون، وإعادة بناء صور تقريبية لما يتخيلونه اعتمادا على أنماط النشاط الدماغي.
وفي دراسة أجراها باحثون في جامعة تكساس، دُرّب نموذج ذكاء اصطناعي على بيانات جُمعت أثناء استماع المشاركين إلى قصص على مدار 16 ساعة. واستطاع النموذج استنتاج المعنى العام لبعض العبارات، حتى عندما اختلفت الكلمات التي أنتجها عن النص الأصلي.
وتشير هذه النتائج إلى أن النماذج قد تتمكن من تحليل المعنى العام للكلام، وليس مجرد مطابقة الإشارات العصبية بكلمات محددة.
ومع ذلك، تظل مخرجاتها تقديرية، وتتأثر بجودة البيانات وظروف التجربة، ولا تعني قدرتها على قراءة الأفكار بدقة كاملة.
وتتمثل إحدى أبرز التطبيقات المحتملة لهذه الأبحاث في مساعدة الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام بسبب أمراض عصبية أو إصابات دماغية، ومن بينهم المصابون بالتصلب الجانبي الضموري، الذي قد يؤدي مع تقدمه إلى فقدان القدرة على الكلام والحركة.
وفي حال تطوير هذه الأنظمة لتصبح أكثر دقة وسهولة في الاستخدام، فقد تساعد المرضى على التعبير عن رغباتهم واحتياجاتهم، وتقلل اعتمادهم على الآخرين في التواصل، بما يعزز استقلاليتهم ويحسن جودة حياتهم.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى تطبيقات عملية يتطلب تحسين دقة الأنظمة واستقرارها، وتقليل الوقت اللازم لتدريبها، والتأكد من قدرتها على التعامل مع الاختلافات بين الأشخاص وظروف الاستخدام اليومية.
وعلى الرغم من النتائج الواعدة، لا تزال هذه التقنيات محدودة، ولا تعني أن الذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة جميع الأفكار أو معرفة ما يدور في أذهان الأشخاص دون قيود، فالنماذج تُدرّب غالبا في ظروف محددة، وقد تتراجع دقتها عندما تتغير المهمة أو طبيعة البيانات.
و تثير البيانات العصبية تساؤلات بشأن الخصوصية، نظرا إلى ما قد تكشفه عن نشاط الدماغ. لذلك، يتطلب تطوير هذه الأنظمة ضمان حماية المعلومات، وتحديد آليات جمعها واستخدامها، والحصول على موافقة المشاركين.
وتقدم الأبحاث الحالية مؤشرات على إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير وسائل تواصل مبتكرة، خصوصًا للأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام، غير أن الاستفادة الطبية الواسعة من هذه التقنيات ستظل مرتبطة بمزيد من التجارب للتحقق من دقتها وسلامتها قبل استخدامها على نطاق واسع.

التعليقات