طوكيو ـ لم تعد العلاقة بين الروبوتات وعالم الأزياء تقتصر على تجارب استعراضية تمنح الآاستعراضية تمنح الآلات مظهرا أنيقا أو تحاكي حركة عارضي الأزياء، بل اتسعت لتشمل عروضًا تجمع الروبوتات بالبشر، وتصميم ملابس مخصصة لها، واستخدام الذكاء الاصطناعي في ابتكار التصاميم وتجربة الملابس افتراضيًا، وصولًا إلى توظيف الأنظمة الآلية في المصانع ومراكز التوزيع.
وتكشف التطورات المسجلة خلال عامي 2025 و2026 عن تنامي التقاطع بين التكنولوجيا وصناعة الموضة، إذ أصبحت الأدوات الذكية حاضرة في مراحل مختلفة، من ابتكار الأفكار إلى إنتاج الملابس ونقلها وتسويقها
. ومع ذلك، تتفاوت هذه التطبيقات في مستوى نضجها؛ فبعضها دخل العمليات التجارية، بينما لا يزال بعضها الآخر تجارب فنية وتقنية لاختبار إمكانات المستقبل.
وتعود إحدى التجارب المبكرة إلى طوكيو، التي استضافت عام 2017 مسابقة لتصميم أزياء للروبوت ‘بيبر’، الذي طورته شركة ‘سوفت بنك ‘ اليابانية.
وتنافست تصاميم مستوحاة من مهن مختلفة، بينها موظف إرشاد في المطار وممرض ومساعد لرعاية الأطفال وعامل بناء، بهدف منح الروبوت مظهرًا يعكس الوظيفة التي يؤديها.
ولم يكن الهدف جماليا فحسب، بل شمل تمييز الروبوتات المتشابهة وتوضيح أدوارها للمستخدمين، كما فرضت طبيعة هذه الأجهزة شروطًا خاصة على المصممين، مثل ضمان حرية الحركة والتهوية، وعدم حجب المستشعرات أو التأثير في كفاءة التشغيل.
وبعد سنوات، انتقلت الفكرة إلى منصات عروض الأزياء، حيث ظهرت الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى جانب العارضين المحترفين، لتصبح جزءا من تقديم التصاميم واستعراضها، بدلا من الاكتفاء بارتداء الملابس المخصصة لها.
وفي 28 مايو/أيار 2026، شهدت العاصمة الكورية الجنوبية سيول عرضا بعنوان ‘ماخ 33: عرض أزياء الذكاء الاصطناعي المادي’، نظمته شركة ‘غالاكسي’.
ووفقا للجهة المنظمة، شاركت عشرة روبوتات وعارضون بشريون، مع تقديم تصاميم مخصصة للروبوتات استلهمت موضوعاتها من الحب والسعادة والأحلام والأسرة والإنسانية والكون.
وسعى العرض إلى تقديم الروبوت باعتباره شخصية ذات مظهر وهوية، لا مجرد جهاز يؤدي مهمة محددة. فاختيار الألوان والخامات والتفاصيل البصرية يمكن أن يمنح كل روبوت طابعًا مميزًا، ويحوّله إلى جزء من تجربة فنية وترفيهية متكاملة.
وترافق ذلك مع الإعلان عن خطط لتطوير علامة ‘ماخ 33’ المتخصصة في أزياء الروبوتات، مع استهداف إطلاقها في نهاية عام 2026، وهي خطط لا تعني بالضرورة بدء نشاطها التجاري بالفعل.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، شاركت أربعة روبوتات طورتها شركة ‘يونيتري روبوتيكس’ في فعالية ‘عالم فوغ: ميلانو’لابمدينة ميلانو الإيطالية، ضمن فقرة حملت عنوان ‘عصر الذكاء’.
وجاءت المشاركة في عرض يستكشف العلاقة بين الحرفية الإيطالية والإبداع البشري والتكنولوجيا.
ويعكس هذا الحضور تحول منصات الأزياء إلى مساحة لمناقشة مستقبل الإبداع ودور الآلات في صناعة الموضة، لكنه لا يعني أن الروبوتات أصبحت بديلًا عمليًا للعارضين البشر، إذ لا تزال الحركة الدقيقة والتفاعل والتعبير الجسدي من المجالات التي تظهر فيها الفروق بين قدرات الآلات والمهارات الإنسانية.
وبالتوازي مع ظهور الروبوتات المادية، يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار والتصاميم الأولية، واقتراح تنسيقات الملابس، وتطوير أدوات تتيح تجربة الأزياء افتراضيًا.
وخلال أسبوع الموضة في نيويورك عام 2025، استخدمت علامات ومشروعات مختلفة هذه التقنيات في الحملات البصرية والعروض وتجارب التسوق. كما أتاحت أدوات رقمية للمستهلكين تصور مظهر بعض الملابس عليهم قبل شرائها، واقتراح إطلالات تستند إلى تفضيلاتهم.
وتساعد هذه التطبيقات المصممين على اختبار ألوان وخامات وقصات متعددة قبل إنتاج النماذج الفعلية، وتمنح المتسوقين تصورا أوليا لشكل الملابس، إلا أن المحاكاة الرقمية لا تضمن دائمًا مطابقة المقاس أو ملمس القماش وطريقة انسيابه في الواقع، ما يجعلها أداة مساعدة لا بديلًا كاملًا عن تجربة الملابس.
ويثير هذا التحول تساؤلات بشأن حقوق استخدام الصور والأنماط الفنية وأصالة التصاميم التي تنتج بمساعدة الخوارزميات، فالتكنولوجيا قادرة على توليد خيارات كثيرة بسرعة، لكن تقييمها واختيار الأنسب منها وتطوير هويتها الجمالية والثقافية يظل مرتبطًا بالخبرة والحكم الإبداعي البشري.
وبعيدا عن منصات العرض، يؤدي استخدام الروبوتات دورا عمليا في أتمتة بعض مراحل تصنيع الملابس ومناولة المنتجات. وتعمل شركات متخصصة على تطوير أنظمة للتعامل مع الأقمشة وقصها وخياطتها وتجميعها، وهي مهام تطرح تحديات تقنية لأن القماش مادة مرنة تتغير أشكالها بسهولة أثناء المعالجة.
وتعرض شركة ‘سوبو’ أنظمة تجمع بين المناولة الروبوتية والقص والخياطة والتجميع والتشطيب لإنتاج بعض المنتجات النسيجية. وتعتمد تقنيتها على معالجة مؤقتة تجعل القماش أكثر ثباتا أثناء التعامل الآلي معه، ثم تُزال بعد اكتمال الإنتاج ليعود إلى مرونته الطبيعية.
ورغم هذه التطورات، لا تزال الأتمتة تواجه صعوبات عند التعامل مع الأقمشة الرقيقة والقطع المعقدة والتغييرات السريعة في التصاميم والمقاسات. لذلك، يتجه التطور إلى أتمتة مهام محددة وتحسين السرعة والدقة، لا إلى الاستغناء الكامل عن العاملين.
وفي 15 أكتوبر/تشرين الاول 2026، أعلنت شركة ‘إيه بي بي روبوتيكس’ تحديث نظام ‘فاشن إندكتور’ المخصص للخدمات اللوجستية في قطاع الأزياء، بإدخال قدرات الذكاء الاصطناعي المادي، الذي يربط الأنظمة الذكية بالتفاعل مع العالم الحقيقي. وقالت الشركة إن التحديث قد يخفض الوقت والجهد اللازمين للهندسة والتشغيل الأولي بنسبة تصل إلى 75 بالمئة.
وتوضح هذه التطبيقات أن مستقبل الموضة لا يتحدد بما ترتديه الروبوتات على المنصات فقط، بل أيضًا بما تستطيع إنجازه خلف الكواليس.
وبين الإبداع البشري والأتمتة، تبدو الصناعة مقبلة على مرحلة تتكامل فيها مهارات المصممين والعاملين مع قدرات الآلات، مع بقاء التحدي في تحقيق التوازن بين الابتكار والكفاءة والحفاظ على الهوية الإنسانية للأزياء.

التعليقات