لم تكن رحلة “فلاي دبي” المتجهة من دبي إلى تل أبيب، في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، مجرد حادثة أمنية داخل قمرة قيادة طائرة مدنية. فمنذ اللحظة التي تحولت فيها الرحلة إلى أزمة كادت تنتهي بكارثة، بدأت الأسئلة تتجاوز ما جرى داخل الطائرة إلى ما كان يمكن أن يكون وراءه، ومن يقف خلفه، وكيف أمكن لشخص يعمل مساعدًا للطيار أن يصل أصلًا إلى مقعد القيادة في رحلة تقل أكثر من 170 شخصًا.
ومع اتساع التحقيقات، ظهرت روايتان تستحقان التوقف عندهما. الأولى جاءت من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي قال، الاثنين، إنه لم يرَ حتى الآن أي دليل حاسم على صلة لإيران بحادث “فلاي دبي”، مضيفًا أنّ الأمر قيد البحث من جانب أجهزة الاستخبارات الأميركية، وأنه لا يريد استباق أي إعلان بهذا الشأن. أما الثانية، فجاءت في تقارير إسرائيلية نقلت تفاصيل جديدة من التحقيق مع مساعد الطيار العُماني همام الحمامي، وتحدثت عن خطة مزعومة سبقت الحادث بأشهر، وعن نيةٍ لإسقاط الطائرة داخل إسرائيل بعد دخول مجالها الجوي بصورة قانونية.
وبين الروايتين، لا تبدو المسألة مجرد خلاف في المعلومات، بل اختبارًا لقدرة التحقيق على الفصل بين ما حدث فعلًا، وما يُعتقد أنه حدث، وما قد يكون قد حدث.
من حادثة في القمرة إلى محاولة إرهابية
ما بات معروفًا بصورة رسمية هو أنّ مساعد الطيار العُماني هاجم قائد الطائرة داخل قمرة القيادة، مستخدمًا فأس الطوارئ، في محاولةٍ للسيطرة على الطائرة. وأكدت السلطات الإماراتية أنّ النيابة العامة شكلت فريقًا متخصصًا للتحقيق في الحادث وأسبابه ودوافعه، بما في ذلك احتمال وجود صلة بنشاطٍ إرهابي أو نيةٍ إرهابية، وما إذا كان هناك تخطيط مسبق أو توجيه من جهة أخرى.
وقد تمكّن قائد الطائرة الهندي، سميت ماتشهر، من فتح باب قمرة القيادة رغم إصابته، ما أتاح لركاب وأفراد من الطاقم التدخل، قبل أن يتولى طيارون آخرون كانوا على متن الرحلة السيطرة على الطائرة وتحويل مسارها إلى مطار تبوك في السعودية، حيث هبطت بسلام.
هذه الوقائع، في حد ذاتها، كافية للقول إنّ ما جرى لم يكن مجرد “مشاجرة” عابرة داخل الطائرة، كما بدا في الساعات الأولى، وإنما حادث أمني خطير وصفته السلطات الإماراتية لاحقًا بأنه محاولة عمل إرهابي. لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأصعب: لماذا حدث ذلك؟
إيران… السؤال الذي لم يجد جوابًا بعد
هنا يدخل تصريح جي دي فانس إلى الصورة. فالرجل لم يقل إنّ إيران بريئة، كما أنه لم يقل إنّ لها دورًا. قال شيئًا أكثر تحديدًا: إنه لم يرَ حتى الآن شيئًا حاسمًا يربط طهران بالحادث، وأنّ المسألة قيد البحث من جانب أجهزة الاستخبارات. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأنّ الفرق كبير بين عدم وجود دليل حاسم حتى الآن وبين إثبات عدم وجود صلة.
في المقابل، ظهرت تقارير إسرائيلية تحدثت عن احتمال فحص صلاتٍ للمشتبه به بإيران، من بينها فترة إقامته في سوريا، وعن احتمال انتمائه إلى مجموعة قيل إنها تشكلت بدعم إيراني خلال عهد بشار الأسد. لكن هذه المعلومات بقيت في إطار ما تنقله وسائل إعلام عن مصادر مطلعة على التحقيق، ولم تتحول إلى نتيجة معلنة ونهائية للتحقيق.
ولهذا فإنّ تحويل “فرضية إيران” إلى حقيقة سيكون سابقًا لأوانه. لكن إسقاطها من الحساب نهائيًا سيكون سابقًا لأوانه أيضًا. فالتحقيق وحده هو الذي يستطيع أن يحدد أين تنتهي المصادفة وتبدأ الصلة.
الرواية الثانية… خطة سبقت الرحلة
في الاتجاه الآخر، جاءت رواية أكثر تفصيلًا مما كان معروفًا في الأيام الأولى. فبحسب ما نقلته “رويترز” عن مسؤولين إسرائيليين، يشتبه المحققون في أنّ الحمامي كان قد خطط للهجوم قبل انضمامه إلى “فلاي دبي”، وأنه كان يستهدف إسقاط الطائرة في مطار بن غوريون. وتقول الرواية إنه كان قد فكر في تنفيذ خطة مماثلة خلال رحلة سابقة، لكنه تراجع عنها بسبب وجود شخص يعرفه بين أفراد الطاقم.
وتشير تقارير أخرى إلى أنّ التحقيق يبحث في رحلات سابقة للمشتبه به إلى إسرائيل، وفي ما إذا كان قد جمع معلومات خلال إقاماته هناك، وما إذا كان اختار العمل لدى شركة تسيّر رحلات إلى إسرائيل لهذا الغرض.
وقد دفعت هذه الأسئلة إسرائيل إلى فتح مراجعة واسعة لإجراءات أمن الرحلات الأجنبية القادمة إليها، فيما بدأت جهات متعددة، بينها الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، النظر في جوانب من ماضي المشتبه به.
وهنا تتغير زاوية النظر. فحتى لو انتهى التحقيق إلى أنّ الحمامي تصرف بمفرده، فإنّ ذلك لا يلغي احتمال وجود خلل في منظومة التدقيق الأمني. وحتى لو ثبت لاحقًا وجود جهة ساعدته، فإنّ السؤال سيبقى قائمًا حول كيفية وصول تلك الجهة، إن وجدت، إلى شخص قادر على تنفيذ مخطط داخل طائرة مدنية.
التحقيق لا يحتاج إلى رواية جاهزة
في مثل هذه القضايا، تكون الرغبة في الوصول إلى إجابة سريعة مفهومة. فهناك من يريد أن يرى في الحادث امتدادًا للصراع مع إيران، وهناك من يراه نتيجة تطرف فردي، وهناك من يركز على الثغرات الأمنية، وهناك من يبحث عن مسؤولية شركة الطيران أو أجهزة الأمن.
لكن التحقيق الجدي لا يبدأ من النتيجة، بل يبدأ من الأسئلة: هل كان هناك تخطيط مسبق؟ هل تصرف المشتبه به منفردًا؟ هل كانت له اتصالات أو تمويل أو توجيه من جهة أخرى؟ هل كانت هناك معلومات سابقة عنه ولم تصل إلى الجهات التي كان ينبغي أن تصل إليها؟ هل خضع الطاقم للإجراءات الأمنية المطلوبة؟ وهل كانت هناك إشارات كان يمكن أن تمنع وقوع الحادث لو جرى جمعها وربطها في الوقت المناسب؟
هذه الأسئلة أهم من الرغبة في تسمية طرف قبل اكتمال الأدلة. وربما يكون أكثر ما يستحق الانتباه في هذه القضية أنّ الروايتين المتداولتين ليستا بالضرورة متناقضتين. فوجود خطة شخصية أو إرهابية مزعومة لا يعني تلقائيًا وجود صلة بإيران. وعدم ظهور دليل حاسم على الصلة بإيران حتى الآن لا يعني أنّ التحقيق أغلق هذا الاحتمال. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة من الاحتمالات لا يجوز للإعلام أن يملأها بالتخمين. ففي الطيران، كما في الصحافة، لا تكفي السرعة للوصول إلى الوجهة، فالمهم أن نصل إليها بالطريق الصحيح.

التعليقات