التخطي إلى المحتوى

موسكو – تقترب دمشق وموسكو من وضع اللمسات القانونية على مستقبل الوجود العسكري الروسي في الأراضي السورية، مع إعلان نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو أن اتفاقيات حكومية دولية بهذا الشأن قد تُوقّع قبل نهاية عام 2026.
وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لمذكرة تفاهم وقّعها البلدان في أغسطس/آب الماضي، بعد نحو عام ونصف العام من المفاوضات بشأن مصير قاعدتي حميميم الجوية في ريف اللاذقية وطرطوس البحرية.

وقال بوريسينكو، في مقابلة مع قناة “ار.تي.في.آي”، إن المذكرة تنص على تحويل المنشآت العسكرية الروسية إلى مراكز روسية سورية مشتركة للتدريب والدعم اللوجستي، موضحاً أن العمل مستمر لإعداد اتفاقيات تحدد الوضع النهائي لهذه المنشآت.

ولا يتعلق المسار التفاوضي بإخلاء القواعد الروسية بالضرورة، بل بإعادة تنظيم طبيعة استخدامها والوجود العسكري داخلها، ضمن صيغة جديدة بين البلدين.

وأوضح أن العمل جار على إعداد اتفاقيات حكومية دولية تحدد بصورة نهائية الوضع المستقبلي لهذه المنشآت، معربا عن أمله في إنجازها قبل نهاية العام الجاري.

وأشار بوريسينكو إلى أن المنشآت العسكرية ستستخدم جزئيا بصورة مشتركة بين البلدين، بما يشمل تدريب العسكريين السوريين، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي.

وشكّلت قاعدتا حميميم وطرطوس ركيزتين أساسيتين للوجود العسكري الروسي في سوريا، إذ وفرت الأولى لموسكو قاعدة جوية لدعم عملياتها العسكرية، فيما مثّلت الثانية نقطة إسناد بحري ولوجستي مهمة على ساحل البحر المتوسط. واكتسبتا أهمية إضافية باعتبارهما منفذاً روسياً استراتيجياً إلى المنطقة، ومركزين لدعم التحركات العسكرية واللوجستية خارج الأراضي الروسية.

لكن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 فتح الباب أمام إعادة النظر في الترتيبات التي حكمت الوجود الروسي لعقود، وفرض على موسكو التفاوض مع السلطات السورية الجديدة للحفاظ على مصالحها. ومنذ ذلك الحين، انصبّت المفاوضات على إيجاد صيغة تتيح لدمشق استعادة دور أكبر في إدارة المنشآت، من دون إنهاء التعاون العسكري مع روسيا بصورة كاملة.

وبموجب مذكرة التفاهم المعلنة في أغسطس/آب، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الاستخدام المدني، بما فيها المرافق المدنية في مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لدمجها في الإدارة المدنية السورية.
في المقابل، يُعاد تنظيم المنشآت العسكرية لتصبح مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، مع استمرار التعاون في الجوانب اللوجستية والعسكرية.

وتشير هذه الترتيبات إلى تحوّل في طبيعة الوجود الروسي، من قواعد ارتبطت بدور موسكو العسكري في دعم النظام السابق، إلى منشآت يُفترض أن تعمل ضمن إطار تعاون معلن مع السلطات السورية الجديدة. غير أن التفاصيل التنفيذية والقانونية للاتفاقيات المرتقبة ستحدد مدى اتساع هذا التحول وحدوده الفعلية.

وبالنسبة إلى روسيا، يمثل الحفاظ على موطئ قدم في الساحل السوري مصلحة استراتيجية تتجاوز العلاقة الثنائية مع دمشق. لذلك يتيح نموذج المراكز المشتركة لموسكو السعي إلى استمرار حضورها، ولكن بصيغة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بالمرحلة السابقة.

لكن مصالح الطرفين لا تتطابق بالضرورة في جميع التفاصيل. فموسكو تحتاج إلى ضمانات بشأن استمرارية الوصول إلى منشآتها واستخدامها، بينما ترتبط قدرة دمشق على قبول هذه الترتيبات بمدى احتفاظها بالسلطة الفعلية على المواقع، وبطبيعة الصلاحيات الممنوحة للقوات الروسية، وشروط استخدام القواعد في المستقبل.

وتبقى مسألة السيادة السورية عنصراً محورياً في تقييم الاتفاقات، ليس فقط من حيث الإدارة الرسمية للمنشآت، بل أيضاً من حيث سلطة اتخاذ القرار بشأن استخدامها، والقيود المفروضة على تحركات القوات الموجودة فيها، ومدى خضوع الأنشطة العسكرية لموافقة السلطات السورية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *