تطرقت إلى هذا الموضوع في مقال سابق حمل عنوان “ما هو أكبر من الدهابة بين مصر والسودان” تناولت فيه قضايا أمنية وشكوك سياسية عدة. مع تكرار الجيش المصري استهدافه لما يعرفون بـ’الدهابة’ على الحدود مع السودان قبل أيام، تكشفت جوانب تتعلق بالشعوبية التي تكتنف هذا الملف، ومحاولة جرّه إلى منطقة حساسة.
تم توظيف ما تعتبره الحكومة المصرية حماية للأمن القومي على أنه عمل مقصود ضد فئة من السودانيين تقوم بالبحث عن معدن الذهب في الجبال القريبة من الحدود المشتركة، دون إشارة واضحة إلى هدف محدد للاستهداف، اللّهم إلا اشعال فتنة بين الشعبين المصري والسوداني وتخريب التطورات الواعدة التي ظهرت خلال الفترة الماضية.
تستفيد من هذه الفتنة قوى معينة، تعتقد أن القاهرة تدعم الجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع وتبحث عن وسيلة لإحداث شرخ بينهما.
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي السودانية بانتقادات حادة ضد القاهرة عقب عملية عسكرية استهدفت ‘دهابة’ داخل الحدود المصرية يوم السبت (10 أكتوبر/تشرين الاول).
تعمدت الكثير من الحسابات الشخصية تصويرها على أنها تمت داخل الحدود السودانية، للإيحاء بوجود عدوان خارجي. تجاهل أصحاب الحسابات المخاطر التي تنطوي عليها عمليات السلل المستمرة داخل حدود دولة أخرى. في وقت تشتعل حرب ضارية في السودان، وينشط مجرمون ومهربو مخدرات وبشر على الحدود، وتتربص جهات متباينة بمصر لشغل جيشها عن مهامه الرئيسية في الدفاع عن أرضها.
ردّت حسابات مصرية على نظيرتها السودانية بمزيد من الانتقادات وتوجيه اللوم للدولة التي قبلت باستضافة ملايين من السودانيين بعد اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع منذ حوالي 42 شهرا.
زادت الانتقادات عقب الإعلان عن وقوع حادثة قتل عمد لسائقين مصريين في الخرطوم على يد سوداني ينحدر من إقليم دارفور، وقيل إنه على صلة بقوات الدعم السريع، التي تبدي عدم ارتياح لأي دور مصري.
تحولت قضية ‘الدهابة’ إلى شوكة في ظهر شريحة من المصريين والسودانيين. إذا جرت مطاردتهم يتردد أن القاهرة تستهدف مواطنين أبرياء، وتمارس وصاية تاريخية على السودان، وقائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان متواطيء معها بالصمت.
وإذا تركوا وهددوا الأمن القومي سيقال إن الحكومة المصرية لا تستطيع الدفاع على مقدرات البلاد، لأن ‘الدهابة’ يريدون تحويل المنطقة الحدودية المشتركة إلى أزمة أمنية مستفحلة، ومنع استثمارات كبيرة من استخراج المعادن وتكريس الهشاشة فيها.
أدى استحضار ملف ‘الدهابة’ ووضعه على طاولة النقاش إلى النظر لما يمكن أن تحدثه الشعبوية من نتائج سلبية والتي يلجأ إليها فريق من السوادنيين والمصريين، وتستغلها عناصر لها مصالح متعددة في تشويه العلاقة بين البلدين، ومنع وصولها إلى درجة عالية من الدفء، تقود إلى تنسيق مشترك في ملفات حيوية.
يريد الفريق السوداني أن تترسخ في أذهان محبيه فكرة الاستقواء الدائم عليهم من القاهرة، وممارسة ضغوط متنوعة على الحكومة المصرية لوقف تعاونها لمجلس السيادة الانتقالي والإشارة إلى أن دعمها للجيش السوداني سيكبدها خسائر فادحة، أملا في الوصول إلى نتيجة، مفادها أن الوقوف بجوار الخرطوم سوف تكون عواقب وخيمة.
ما يفسر أسباب التحريض الدائم من حسابات غالبيتها تابعة لقوات الدعم السريع، كانت تشكو من تأييد مصر للجيش السوداني وتطلق تهديدات في الفضاء الإلكتروني للانتقام، معظمها يعمل من خارج السودان.
يريد الفريق المصري مواصلة دعم أجهزته الأمنية في عملياتها الرامية للدفاع عن حدود البلاد، مستخدما تجاوزات سودانيين يقيمون في مصر ذريعة لتأكيد منهج الشعبوية المضادة، وأن لدى القاهرة أوراق لا تريد تفعيلها حاليا.
وجاءت حادثة مقتل السائقين في الخرطوم لتعزز القناعات بأن اللجوء إلى الشعوبية سلاح فتاك تفضي أضراره المعنوية القريبة إلى أخرى مادية بعيدة، تؤثر على مستقبل العلاقة بين دولتين تربطها جغرافيا مشتركة وعلاقات تاريخية واجتماعية ومصالح إستراتيجية.
قدمت القاهرة تفسيراتها الأمنية لعمليات استهداف الدهابة في المرتين السابقتين (خلال شهري يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول) عبر بيانات للمتحدث بإسم الجيش المصري وقدمت الخرطوم رؤيته الخاصة بتشكيل لجنة تحقيق وطنية، لكن لم يكشف عن نتائجها بعد.
من الملاحظ في الحالتين أن هناك توافقا بين القاهرة والخرطوم وربما تنسيقا كبيرا، ما يعني أن نزوح ‘الدهابة’ نحو الحدود المشتركة، بالبحث عن المعادن النفيسة أو تهديد الأمن، خطر مشترك عليهما تتعدى أهدافه تخريب العلاقة الثنائية الجيدة التي ظهرت في مناسبات عدة إلى تخريب التعاون الإقليمي، الذي تبيّنت ملامح منه في قمة العلمين قبل أسبوعين، وضمت قيادات مصر والسودان والصومال وإريتريا.
ليس صدفة أن يقوم ‘الدهابة’ بعبور الحدود المصرية بعد انعقاد قمة العلمين. وليس صدفة أن يأتي توجه مئات من السودانيين، ومعهم أشخاص من جنسيات أخرى، إلى منطقة قريبة من مثلث حلايب المتنازع عليه منذ فترة بين البلدين. وليس صدفة أن يتحرك هؤلاء عقب وقت قصير من تعيين سفير مصري جديد في الخرطوم.
تشير هذه التصرفات إلى وجود تعمد لإزعاج القاهرة والخرطوم في آن واحد، بما يدعم تقديرات سياسية ذهبت إلى أن ‘الدهابة’ هم رأس حربة لزرع فتنة بين العاصمتين، أو على الأقل زيادة اللغط حول العلاقات التي تربط بينهما. يمثل سلاح الشعوبية في حد ذاته وسيلة مناسبة للتشويش على التطورات الإيجابية بين البلدين.
تعد الصور والفيديوهات المتكررة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة أخيرا أداة للحصول على تعاطف مع الضحايا وتوجيه اتهامات مؤثرة إلى مصر، ما جعل بعض الرؤى تُجزم بوجود طرف ثالث يقوم بترويجها من خلال حسابات وهمية على مواقع التواصل له مصالح في إزعاج القاهرة وجرها إلى مستنقع السودان الواسع، بما يخفف من انخراطها في قضايا إقليمية مهمة، خاصة أن أصحاب المصالح في المنطقة كثّر وأعلن بعضهم (إثيوبيا مثلا) عن خصومة فاضحة مع مصر، ممن يريدون توريط القاهرة في أزمات نأت عن التدخل فيها مباشرة.
يمكن أن تؤدي التشابكات التي تكتنف ملف ‘الدهابة’ إلى تداعيات تفوق عملية قيام مهربين أو مخربين بالبحث عن الثروة المعدنية بطرق إجرامية في مناطق حدودية، وتصل إلى مستوى وجود جهات تحمل أجندات خفية، غرّرت بهم لمضايقة مصر أمنيا عسى أن يحصلون على نتيجة تمثل لهم ركيزة للضغط عليها، وحثها على صرف انتباهها عما يجري من تطورات في السودان والمنطقة المجاورة له.

التعليقات