التخطي إلى المحتوى

تُعدّ قصيدة “بين هاجسين” للشاعر العراقي الرائد بلند الحيدري (1926 – 1996) واحدة من أبرز عيون شعر التفعيلة التي كُتبت في رثاء الزعيم جمال عبدالناصر إثر وفاته المفاجئة عام 1970.

تتميز القصيدة بانسلاخها عن الرثاء التقليدي الباكي أو الخطابي المباشر، متجهةً نحو عمق وجودي وفلسفي يربط بين الفرد والجماعة، وبين الموت الجسدي والخلود التاريخي.

يضعنا العنوان “بين هاجسين” مباشرة في قلب مفارقة إنسانية ووجودية؛ فالهاجس هو القلق الداخلي أو التوجس من المجهول. هذان الهاجسان يمثلان خطين متوازيين في وعي الشاعر ووعي الأمة: هاجس الفقد، والغياب، والموت الجسدي لرمز كان يحرك الجماهير. وهاجس الولادة، والاستمرارية، وانبعاث الحلم من جديد عبر التاريخ.

نجد في المقطع الأول من القصيدة “أنسنة الزعيم والنشأة العادية” في قول الشاعر:

في ليلة مثل ليالي الناس

مألوفة بغيمها… بنجمها

بكل ما في رحمها 

من هاجس يسأل عن ولادة

وهاجس ينطر في الأجراس

ولدتَ مثل الناس… كبرتَ مثل الناس…

وهنا يبدأ بلند الحيدري قصيدته بتجريد عبد الناصر من صفات الأسطورية الزائفة؛ فهو لم يولد بمعجزة، بل ولد وكبر “مثل كل الناس” وفي ليلة مألوفة. تكمن عبقرية هذا الاستهلال في تأكيد الشاعر على أن عظمة عبد الناصر نابعة من كونه ابنًا شرعيًّا لهذه البيئة البسيطة، خرج من رحم آمال الجماهير وهواجسها ولم يسقط عليها من فوق.

أما المقطع الثاني فهو مقطع “القائد والتحام الخُطى بالجماهير” ونرى ذلك في قول الشاعر:

ومثل كل الناس…

سمعت وقع خطوك المهيب في دروبهم

ركضت خلف وقعه… أتعبك الركض وراء وقعه…

وعبر ما في وقعه المهيب

أدركت أن دربهم حكايةً في لحظة… وضحكةً في لحظة…

هنا ينتقل الشاعر إلى مرحلة “القيادة والحركة”. يتحول الزعيم إلى “وقع خطو مهيب” تهرع خلفه الجماهير. لكن الحيدري بلمسته الوجودية يبرز تعب القائد (أتعبك الركض)؛ فالركض وراء آمال الجماهير العربية وطموحاتها القومية كان عبئًا ثقيلاً أرهق كاهل عبد الناصر، ليتحول الدرب التاريخي المشترك إلى مزيج من الفرح (الضحكة) والحزن (الحكاية الكئيبة).

وفي المقطع الثالث نجد الموت والخلود (جدلية الغياب والحضور) في قول الشاعر:

واليوم… إذ ترحل عن دروبهم

لا ترحل إذ لا يزال أمسُكَ… الغدَ الذي لا يمحل

يغور في قلوبهم… يطل من غيوبهم

الدرب… والضحكة… والحكاية

والبدء… لا النهاية… بدء بلا نهاية.

هذا المقطع هو ذروة القصيدة، وفيه تتجلَّى الفلسفة الوجودية للحيدري. يرفض الشاعر فكرة الفناء الكلي؛ فالغياب الجسدي للزعيم لا يعني غياب أثره. يتحول “الأمس” (التاريخ والمنجزات) إلى “غدٍ” (أمل متجدد يستلهمه الناس). 

وتنتهي القصيدة بمعادلة التفجير الدلالي: “والبدء… لا النهاية… بدء بلا نهاية”، وهي إشارة صريحة إلى أن الموت هنا هو مجرد نقطة انطلاق جديدة للفكرة والرمز.

توظيف ثنائية (الأمس / الغد) و(البدء / النهاية) يعكس وعي الشاعر بأن الزعيم تحوَّل من شخص إلى “قيمة وفكرة”، والأفكار لا تموت بموت أصحابها.

ابتعد الحيدري تمامًا عن معجم الفخامة اللفظية المعتاد في مراثي الملوك والرؤساء، واستخدم مفردات شديدة القرب من الحياة اليومية (ليالي، غيم، نجم، رحم، دروب، ضحكة) ليجعل الرثاء إنسانيًّا حميميًّا.

اعتمد الشاعر على تكرار بعض العبارات مثل (مثل الناس)، و(وقع خطوك) لخلق جرس موسيقي داخلي يعوض غياب القافية الموحدة، ويسهم في تثبيت الحالة الوجدانية والقلق الهاجسي في نفس المتلقي. كما اعتمد على الجمل القصيرة والسطور المتفاوتة في الطول التي تعكس نبضات القلب المتسارعة والصدمة اللحظية الناتجة عن الفقد من خلال الاتكاء على تفعيلة بحر الرجز (مستفعلن ومشتقاتها).

نجح بلند الحيدري في تقديم وثيقة شعرية ترثي جمال عبد الناصر من زاوية مغايرة؛ حيث رسم له صورة “الزعيم الإنسان” الذي شارك الناس بساطتهم وتعبهم، مؤكدًا في الوقت ذاته أن رحيله الجسدي ليس نهاية للمشروع القومي أو الحلم العربي، بل هو بمثابة “بدء بلا نهاية” يورث للأجيال القادمة.

تتحرك اللغة في القصيدة بين مستويين متناقضين ظاهريًّا: اليومي المألوف، والمفارق الاستثنائي. وينقسم معجمُها إلى حقلين دلاليين؛ حقل الألفة والبساطة (ليالي الناس، مألوفة، غيم، كبرت، ضحكة)، وحقل المهابة والتفرد (المهيب، رؤاك، لا يمحل، غيوبهم).

ونلاحظ أن استخدام أفعال المضارع الاستمرارية (يسأل، ينطر، يغور، يطل) في مقابل أفعال التحقق والقطع الماضوية (ولدت، كبرت، أدركت، رحلت). هذا التناوب يمنح النص ديناميكية تحول الموت من “فعل ماضٍ” إلى “حالة مضارعة” مستمرة. كما نلاحظ التلاعب بالأسماء المشتقة مثل ثنائية (الوقوع / الوقع) في “وقع خطواتك”، حيث تحولت الحركة إلى صوت والصوت إلى أثر باقٍ.

يتأسَّس التشكيل البنيوي للقصيدة على “البنية الدائرية المغلقة”، حيث يبدأ النص وينتهي بذات الفكرة والهاجسين (الولادة / الأجراس)، لكن بنهاية مغايرة أحدثت تحولاً دلالياً: البدء: (ولدت مثل الناس، كبرت مثل الناس) حيث إثبات الآدمية والبساطة. والخاتمة: (ولدت مثل الناس / ولم تكن كالناس) حيث كسر التوقع وإثبات الاستثناء.

بنى الشاعر مقاطعه على التناظر؛ المقابل لـ “الركض والتعب” في المشهد الأول هو “الاستقرار والخلود”، وفي المشهد الثاني (أرخيت في قلوبهم كفيك / أدرت عن عيوبهم عينيك).

تتنفس القصيدة من رئة الفلسفة الوجودية (التي تأثر بها بلند الحيدري عمومًا). ويظهر ذلك في جدلية الفناء والخلود حيث يطرح النص مفهومًا وجوديًّا للموت؛ الموت الجسدي ليس نهاية العدم، بل هو “الانعتاق نحو الفكرة”. عبد الناصر هنا لا يموت، بل يتحول إلى “ماهية” تسبق الوجود المادي وتستمر بعده.

ويتجلَّى الفكر الفلسفي في السطر (والبدء… لا النهاية / بدء بلا نهاية). إن الشاعر يعيد صياغة مفهوم الميتافيزيقيا التاريخية، فالزعيم يصبح نقطة انطلاق مستمرة (بدء) في وعي الجماهير، مما ينفي عنه صفة “المنتهي”.

يظهر في النص إحساس بالتعب المشترك (“أتعبك الركض”). الجماهير تشعر بالذنب لأنها أرهقت القائد بركضها وراء الحلم، ويأتي الرثاء كعملية “تطهير نفسي” لتخفيف وطأة هذا الذنب عبر استدخال القائد داخل الذات (يغور في قلوبهم).

ونلاحظ تحويل الموت إلى غياب مؤقت أو رحيل مجازي (“واليوم إذ ترحل… لا ترحل”). سيكولوجيًّا، يرفض العقل الجمعي العربي تصديق غياب الرمز، فيلجأ الشاعر إلى ميكانيزم “الخلود النفسي” ليحافظ على تماسك الأمة أمام الانهيار.

يتحكم الشاعر في أبعاد الزمن وخلخلة تراتبيته التقليدية (ماضٍ، حاضر، مستقبل) من خلال زمن الهاجس (اللا-زمن): البداية في “ليلة مألوفة” هو زمن ساكن، يمثل زمن الرحم البشري قبل التاريخ. وهناك زمن الحركة (الزمن الخطي): (ولدت، كبرت، ركضت) وهو الزمن التاريخي الفعلي لعمر الزعيم. وهناك الزمن الدائري / التداخل الزمني: وذروته الزمنية تتجلَّى في العبارة العبقرية: (إذ لا يزال أمسك… الغد). هنا يحدث دمج فيزيائي شعري؛ حيث يصبح الماضي (الأمس / المنجز) هو نفسه المستقبل (الغد / الأمل). لقد ألغى الشاعر “الحاضر المفجوع بالموت” وربط الماضي بالمستقبل مباشرة لضمان الديمومة.

نص الحيدري حافل بالعلامات والإشارات الشفرية التي تتجاوز المعنى الحرفي. فهناك سيميائية الهاجسين: هاجس الولادة وهو علامة على التطلع، والأمل، والبدايات البكر. وهاجس الأجراس وهو علامة على الإنذار، والخطر، والموت، أو إعلان التحولات التاريخية الكبرى.

سيميائية الجسد وتتمثل في (كفيك / عينيك). الكف هنا علامة على العطاء، والبناء، والحنو، والعين التي تُدار عن العيوب هي علامة على التسامح، والأبوة، والترفع عن الصغائر. أما سيميائية الطريق: (الدرب، الطريق، الملتقى الكئيب) فهي تلخص مسيرة الأمة العربية (الانكسارات، الهزائم، والطموحات).

المتلقي العربي عام 1970 يدخل إلى قصيدة رثاء لعبد الناصر وهو يتوقع بكائيات، وعويلاً، وهجاءً للموت، ولكن الحيدري يخيب أفق التوقع هذا صدمةً وتجديدًا، فهو يقدم نصًّا هادئًا، فلسفيًّا، يبدأ بالبساطة وينتهي بالخلود، مما يجبر المتلقي على تغيير موقفه من البكاء إلى التأمل.

ويترك الشاعر فراغات شاسعة للمتلقي ليمارس تأويله؛ على سبيل المثال: (وألف ألف مرة كان الطريق ملتقى كئيب) لم يقل الشاعر لماذا هو كئيب؟ ترك للمتلقي (الذي يعيش نكسة 1967 وتداعياتها) أن يملأ هذا الفراغ بآلامه وخيباته السياسية الخاصة، ليتحول القارئ من مستمع مستهلك إلى منتج مشارك في كتابة النص.

يمثل المقطع الأخير ذروة التحول البنيوي والدلالي في النص؛ ففيه تتجلى قفزة وعي حاسمة تنقل الزعيم الراحل من “ألفة التماثل” مع البشر إلى “فرادة الاستثناء” التاريخي. يبدأ المقطع بإعادة إنتاج السطر الإستراتيجي في القصيدة: (ولدت مثل الناس / ولم تكن كالناس). هذا التكرار ليس مجرد ترجيع موسيقي، بل هو أداة تفكيك لبداية القصيدة. في المرة الأولى، كانت العبارة تمهيدًا لبيان بشرية الزعيم، أما هنا فهي توضع كأرضية صلبة لإنتاج المفارقة الصادمة في السطر: (ولم تكن كالناس).

هنا يحدث ما يسمى في النقد البنيوي بـ “كسر التناظر”. الشاعر يستخدم أداة النفي (لم) و(كاف) التشبيه ليفصل بين لحظة الولادة البيولوجية (التي يتساوى فيها مع البشر) ولحظة الوجود التاريخي (التي يتفوق فيها عليهم).

يسترسل الشاعر في تعميق مسافة الاختلاف عبر سطرين فريدين في تكثيفهما:

“لا..

لم تكن”

تأتي “لا” النافية في سطر مستقل معزول. هذا التشظي البصري على الورقة يمنح الكلمة قوة إطلاقية؛ إنها صرخة رفض ضد الموت، وضد التلاشي، وضد مساواة عبد الناصر بالبشر العاديين الذين يمرون عابرين في التاريخ. وتكرار النفي (لم تكن) مجردًا من الخبر في السطر التالي يخلق وقفة دلالية تجعل المتلقي يتساءل: لم أكن ماذا؟ هذا الفراغ النحوي يشحن النص بانتظار معرفي مشوق. ولكن يأتي الجواب والتعليل الفلسفي لهذا الاستثناء في ختام القصيدة:

“مذ جاوزت رؤاك ما في هاجسٍ

يسأل عن ولادة

وهاجس ينطر في الأجراس”

وهنا نرى أن الشاعر يفسر سر عظمة الزعيم بأن “رؤاه” (مستقبله، حلمه، مشروعه القومي) قد “جاوزت” وتخطت حدود الهواجس العادية للبشر الذين يعيشون حبيسي القلق اليومي والمصيري؛ بين هاجس البداية (الولادة / الحياة) وهاجس النهاية (الأجراس / الموت).

لقد اخترق عبد الناصر بحركته التاريخية دائرية الزمن البشري المغلقة. ولم يعد موته خاضعًا لصوت الأجراس الجنائزية، ولم تعد ولادته مجرد حدث بيولوجي. لقد تحول إلى “رؤية” عابرة للأزمنة.

تنتهي القصيدة بالكلمات ذاتها التي بدأت بها (هاجس، ولادة، أجراس)، وهو ما يسمى الإغلاق الدائري. لكنها دائرية حلزونية صاعدة وليست مغلقة؛ لأن معنى الكلمات تغير تمامًا: في البداية: كانت الأجراس والولادة تحيط بالطفل البسيط الذي وُلد “مثل الناس”. وفي النهاية: أصبحت الأجراس والولادة قيودًا زمنية تحطمت تحت أقدام “الرمز” الذي جاوزها بخلوده الإنساني.

قصيدة “بين هاجسين” للشاعر بلند الحيدري:

في ليلة مثل ليالي الناس

مألوفة بغيمها

بنجمها

بكل ما في رَحِمِها

من هاجسٍ يسأل عن ولادة

وهاجسٍ

ينطر في الجرس

ولدت مثل الناس

كبرت مثل الناس

ومثل كل الناس

سمعت وقع خطواتك المهيب في دربهم

ركضت خلف وقعه

أتعبَكَ الركضُ وراء وقعه

وعبر ما في وقعه المهيب

أدركت أن دربهم حكاية في لحظة

وضحكة في لحظة

وألف ألف مرة كان الطريق ملتقى كئيب

عرفتهم

حببتهم

أرخيت في قلوبهم…. كفيك

أدرت عن عيوبهم… عينيك

وكنت في غيوبهم –

الموعد الحبيب

واليوم إذ ترحل عن دروبهم

لا ترحل إذ لا يزال أَمَسُّكُ… الغدَ

الذي لا يمحلُ

يغور في قلوبهم

يطل من غيوبهم

الدرب

والضحكة

والحكايه

والبدء… لا النهايه

بدء بلا نهايه

ولدت مثل الناس

ولم تكن كالناس

لا..

لم تكن

مذ جاوزت رؤاك ما في هاجس

يسأل عن ولادة

وهاجس ينطر في الأجراس

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *