التخطي إلى المحتوى

ليست المصادفة وحدها ما يجمع بين قرار الاتحاد الأوروبي إنشاء مهمة دعم جديدة للبنان، وضبط كمية كبيرة من المواد المتفجرة داخل سيارة عند حاجزٍ في ضهر البيدر، فالحدثان، على اختلاف طبيعتهما، يلتقيان عند سؤال لبناني قديم يتجدّد بإلحاح: هل تستطيع الدولة أن تتحوّل من مرجعية سياسية وقانونية معترف بها إلى سلطة فعلية تحتكر القرار الأمني وتفرض القانون على كامل أراضيها؟

في بروكسل، اتخذ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خطوة جديدة لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية. وفي ضهر البيدر، كشفت عملية أمنية عن تحدٍّ داخلي لا يمكن معالجته بالمساعدات الخارجية وحدها. وبين الخطوتين، تبدو السيادة اللبنانية أمام اختبار يتجاوز حدود التجهيز والتدريب، ليصل إلى الإرادة السياسية وقدرة المؤسسات على تنفيذ قرارات الدولة.

المهمة الأوروبية فرصة لا ضمانة

في 12 أكتوبر/تشرين الأول، اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي قرار إنشاء “مهمة دعم أوروبية للبنان لمدة أولية تبلغ ثلاث سنوات”، تتألف من شق عسكري وآخر مدني، وتهدف إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ودعم أمن الحدود البرية والبحرية، ومكافحة التهريب، وتطوير قدرات الأمن الداخلي، بما في ذلك مكافحة الجرائم الإلكترونية وتعزيز أمن المرافئ. ويأتي القرار في سياق دعم استقرار لبنان ومؤسساته، وفقًا للقرار الدولي 1701.

وتكمن أهمية المبادرة الأوروبية في أنها تتجاوز تقديم المعدات والتدريب إلى مقاربة أوسع لبناء قدرات المؤسسات الشرعية، بما يساعدها على الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية، لكن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهونًا بقدرة الدولة اللبنانية على توظيف الدعم، وتحديد الأولويات، وتأمين الموارد اللازمة، وتحويل ما تتلقاه من مساعدة إلى حضور فعلي وفاعل على الأرض.

ما الذي تقوله شحنة ضهر البيدر ؟

على الجانب الآخر، أعادت المواد المتفجرة التي ضُبطت داخل سيارة عند حاجز ضهر البيدر ملف نقل الأسلحة والذخائر والمواد الخطرة عبر الطرق اللبنانية إلى الواجهة. وتحدثت تقارير عن ضبط نحو 250 كيلوغرامًا من مادة “تي إن تي” وكمية مماثلة من مادة “سي 4″، مع توقيف شخصين كانا في السيارة المتجهة نحو بيروت. وأشارت تقارير إعلامية إلى شبهات بشأن صلة الموقوفين بحزب الله، فيما لم تتطابق المعلومات المنشورة بشأن هذه الصلة، ولا تزال القضية موضع تحقيق.

وفي هذا السياق، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على إجراء تحقيق شامل ومحاسبة جميع المتورطين، مؤكدًا أنّ الحكومة لن تتهاون في متابعة التحقيق والتوسع فيه؛ “بهدف تحديد هوية جميع المتورطين والجهات التي تقف وراءهم، والكشف عن مخططاتهم وأهدافهم، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا العقاب الذي يستحقونه”.

كما أعلن وزير العدل عادل نصّار سعيه إلى إحالة القضية إلى المجلس العدلي، مشدّدًا على أنّ ما جرى “ليس مجرد ضبط اعتيادي”، بل “إحباط كارثةٍ كانت ستصيب المدنيين”، ومشيرًا إلى أنّ التحقيقات مستمرة لمعرفة الجهة التي تقف خلف تخزين هذه المواد، وكيف وصلت إلى المكان، وما إذا كانت جزءًا من مخطط أكبر.

وبالتزامن مع هذه المواقف، أعلن الجيش اللبناني للمرة الرابعة منذ مطلع الشهر الحالي، ضبط شحنة من المواد المتفجرة، بلغت نحو 200 كيلوغرام في منطقة القصر – الهرمل، وكانت معدّة للتهريب من سوريا إلى لبنان، ما أثار موجة من التساؤلات حول سرّ توقيت التدفق المتتالي لهذا الكم الهائل من المواد المتفجرة، لا سيما أنّ مادة “سي 4” كانت قد استُخدمت في العديد من عمليات الاغتيال السياسي التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية.

من شويا والكحالة إلى امتحان الدولة

على هذا الأساس، لا تأتي قضية ضهر البيدر من فراغٍ في الذاكرة اللبنانية، فقد أعادت حوادث سابقة، من اعتراض منصة إطلاق صواريخ في شويا عام 2021 إلى انقلاب شاحنة الذخائر في الكحالة عام 2023، طرح المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول حمولات عسكرية أو أمنية إلى مصدر توتر على الطرق العامة. وفي الكحالة خصوصًا، انتهى الاعتراض إلى اشتباك أوقع قتيلين، قبل أن يتدخل الجيش وينقل الحمولة إلى عهدته.

لكن التشابه بين هذه الوقائع لا يكفي لافتراض وحدة الجهة المسؤولة أو الغاية من كل شحنة. ما يجمعها في سياق النقاش العام هو أنها تطرح مسألة الرقابة على نقل الأسلحة والذخائر، وحدود سلطة الدولة في منع أي حمولة غير مشروعة من التحول إلى أزمة أمنية أو مواجهة بين اللبنانيين.

ومن هنا، فإنّ المطلوب من المؤسسات الأمنية والقضائية ليس الاكتفاء بضبط الشحنة، بل استكمال التحقيق حتى نهايته، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتوضيح النتائج للرأي العام ضمن حدود ما يسمح به القانون. فالشفافية ليست تفصيلًا إعلاميًا، بل عنصر أساسي في بناء الثقة بالدولة وأجهزتها.

السيادة لا تُستورد

ويبدو قرار الاتحاد الأوروبي، في هذا السياق، فرصة لتعزيز قدرة المؤسسات اللبنانية على مواجهة تحديات أمنية معقدة، لكنه يضع الدولة أيضًا أمام مسؤولية مضاعفة. فكلما اتسع الدعم الدولي، ازدادت الحاجة إلى خطة لبنانية واضحة تحدد كيفية استخدامه، والأهداف التي ينبغي تحقيقها، والآليات التي تضمن المساءلة عن النتائج.

ولا يمكن فصل أمن الحدود عن الأمن الداخلي، أو فصل ضبط المواد المتفجرة عن مسألة احتكار الدولة للسلاح وقرار استخدام القوة. كما لا يمكن مطالبة المجتمع الدولي بمساعدة لبنان على بسط سلطته، فيما تبقى قدرة المؤسسات على تطبيق القانون خاضعة لتوازنات سياسية أو استثناءات تُضعف مبدأ المساواة أمامه.

وهكذا، من بروكسل إلى ضهر البيدر، تتقدم القضية نفسها إلى الواجهة: لبنان يحتاج إلى دعم أصدقائه، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أن تكون الدولة صاحبة القرار الفعلي في أمنه. فالمساعدات قد تعزّز السيادة، لكنها لا تصنعها وحدها؛ والسيادة لا تُقاس بعدد المهمات الدولية أو حجم الموازنات المخصصة للتدريب، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وضبط أراضيها، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل تتحول المهمة الأوروبية إلى رافعة لسيادة لبنانية فعلية، أم تبقى الدولة في حاجة دائمة إلى الخارج لمعالجة الثغرات التي لم تتمكن من إغلاقها في الداخل؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *