التخطي إلى المحتوى

باريس ـ دعا توافق دولي جديد إلى إدماج صحة الفم والأسنان ضمن منظومة الرعاية الصحية اليومية وسياسات الوقاية من الأمراض المزمنة، في تحول يعكس تنامي الاهتمام بالعلاقة بين سلامة الأسنان واللثة وصحة الجسم عموماً.

وشدد الخبراء المشاركون في إعداد الوثيقة على أن العناية بالفم لا ينبغي أن تقتصر على زيارات طبيب الأسنان، بل يجب أن تصبح جزءاً من التوعية الصحية والفحوص الدورية والممارسات الوقائية المعتمدة في مختلف مستويات الرعاية.

وجمعت المبادرة اختصاصيين في أمراض اللثة والقلب والسكري وطب الأسرة والصحة العامة والتثقيف الصحي والرعاية الاجتماعية، بدعوة من الاتحاد الأوروبي لطب دواعم السن والرابطة الأوروبية لصحة الأسنان العامة.

وتهدف الوثيقة، المنشورة بنظام الوصول المفتوح في مجلة ‘دواعم السن 2000’ إلى تحويل الأدلة العلمية المتاحة إلى توصيات عملية موجهة إلى الأفراد والمهنيين الصحيين وصناع السياسات.

وتأتي هذه الدعوة في ظل اتساع عبء أمراض الفم عالميا؛ إذ تشير التقديرات الواردة في الوثيقة إلى أنها تؤثر في نحو 3.5 مليارات شخص حول العالم.

ويرى معدّو التوافق أن الوقاية منها تستدعي التعامل مع عوامل الخطر المشتركة بينها وبين أمراض مزمنة أخرى، من بينها الإفراط في تناول السكريات، واستخدام التبغ، والاستهلاك الضار للكحول، فضلا عن التفاوت في فرص الحصول على الرعاية الصحية والأغذية الصحية.

وتسلط الوثيقة الضوء بصورة خاصة على العلاقة المتبادلة بين أمراض اللثة والسكري، باعتبارها من أكثر الروابط الصحية التي تدعمها الأدلة العلمية، فالتهاب دواعم السن، وهو مرض التهابي يصيب الأنسجة المحيطة بالأسنان وقد يؤدي في مراحله المتقدمة إلى فقدانها، يرتبط بصعوبات في ضبط مستويات السكر في الدم لدى المصابين بالسكري.

وبحسب التوافق، يمكن أن يسهم علاج التهاب دواعم السن في تحسين التحكم بمستويات السكر لدى بعض مرضى السكري، ما يعزز أهمية إدراج تقييم صحة اللثة ضمن الرعاية المقدمة لهم. ولا يعني ذلك أن علاج اللثة يغني عن أدوية السكري أو المتابعة الطبية، بل إنه قد يشكل مكملاً للرعاية المعتادة ويساعد على تحسين النتائج الصحية.

ويؤكد الخبراء كذلك ضرورة توسيع دور الأطباء والممرضين والصيادلة في تقديم الإرشادات الأساسية للعناية بالفم، مثل تنظيف الأسنان بصورة صحيحة، والعناية بالمسافات بينها، والالتزام بزيارات طبيب الأسنان.

وفي المقابل، يمكن لأطباء الأسنان الإسهام في اكتشاف مؤشرات مشكلات صحية أخرى، وإحالة المرضى إلى الاختصاصيين عند الاشتباه في حالات تستدعي تقييما إضافيا.

تضع التوصيات إزالة البلاك، أو اللويحة السنية، في صدارة التدابير اليومية للحفاظ على صحة اللثة. والبلاك طبقة لزجة تتراكم على الأسنان وتحتوي على البكتيريا، ويمكن أن يؤدي استمرار تراكمها إلى التهاب اللثة، فيما قد تتطور الحالة لدى بعض الأشخاص إلى التهاب دواعم السن إذا لم تُعالج بصورة مناسبة.

وتوصي الوثيقة بتنظيف الأسنان مرتين يوميا باستخدام معجون يحتوي على الفلورايد، إلى جانب تنظيف المسافات بين الأسنان كل يوم، والحد من السكريات المضافة في الأطعمة والمشروبات، وتجنب التبغ والاستهلاك الضار للكحول. كما تشدد على ضرورة إجراء الفحوص السنية وفق فترات تتناسب مع مستوى المخاطر واحتياجات كل شخص، بدلا من اعتماد جدول واحد لجميع المرضى.

وتشير الوثيقة أيضا إلى أهمية اختيار وسائل فعالة لإزالة البلاك. وتستند في هذا السياق إلى مراجعات علمية منشورة تناولت فرش الأسنان الكهربائية ذات الحركة التذبذبية الدورانية، والتي تجمع بين الدوران والحركة المتعاكسة للمساعدة على تنظيف الأسطح السنية، كما تذكر معجون الأسنان المحتوي على فلوريد القصدير بوصفه خياراً مدعوماً بالأدلة ضمن منظومة العناية اليومية.

ولا تعني هذه التوصيات أن وسيلة واحدة تناسب الجميع، بل تؤكد ضرورة اعتماد أساليب تنظيف فعالة تتلاءم مع احتياجات الفرد، مع الاستفادة من إرشادات اختصاصيي صحة الفم والأسنان.

على مستوى السياسات العامة، يدعو التوافق الحكومات والمؤسسات الصحية إلى إدراج صحة الفم ضمن استراتيجيات الوقاية من الأمراض غير السارية، وتعزيز تدريب العاملين في القطاع الصحي، وتحسين التنسيق بين الاختصاصات، وتطوير آليات الإحالة وتبادل المعلومات الطبية عند الحاجة.

وتبرز أهمية هذه الخطوات في الحد من التفاوت في الوصول إلى خدمات طب الأسنان، ولا سيما لدى الفئات التي تواجه عوائق اقتصادية أو اجتماعية تحول دون حصولها على الوقاية والعلاج في الوقت المناسب.

وتشير الوثيقة إلى أن العبء الاقتصادي العالمي لأمراض الفم يُقدّر بنحو 710 مليارات دولار سنويا، وفق الأرقام التي يستشهد بها معدّوها، وهو ما يعزز أهمية الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر.

وفي المحصلة، يطرح التوافق الدولي رؤية تجعل صحة الفم جزءا لا يتجزأ من الصحة العامة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجالا منفصلا عن بقية التخصصات الطبية. ويبدأ تطبيق هذه الرؤية بخطوات يومية بسيطة، أبرزها إزالة البلاك بفاعلية، وتنظيف الأسنان والمسافات بينها، والحد من عوامل الخطر، مع تطوير سياسات صحية تضمن تعاوناً أفضل بين المهنيين وتحسين فرص الحصول على الرعاية الوقائية والعلاجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *