التخطي إلى المحتوى

في أبريل/نيسان 2003 دخلنا المقرّات الإدارية والقضائية والأمنية في أيّامها الأولى، ولولا أنّنا بلغناها مبكّراً لأُحرق ما فيها؛ فقد ضُبطت مجموعةٌ كدّست أكوام الأوراق تمهيداً لإشعالها، غرفٌ تفوح منها عفونة جرائم أُرشفت بصياغةٍ قانونية وتُهمٍ باطلة: أرشيفٌ رسميٌّ في شكله، مزوَّرٌ في مضمونه.

لم يبقَ في ذاكرتي من تلك الأوراق رقمٌ ولا جدول، بل مفردةٌ تتكرّر في كلّ صفحة: ‘المدعوّ’.

لا سيّد، ولا لقبٌ علميّ أو مهنيّ، ولا حتى اسمٌ يقف وحده، كلمةٌ صغيرة تسبق الاسم فتُصغّره، وتُخرج صاحبه من صفة الإنسان قبل أن يُسأل عن تهمة. المهندس والمعلّم والطبيب وشيخ القرية السبعينيّ، كلّهم في السجلّ شيءٌ واحد: “المدعوّ فلان”!

وليست المسألة أسلوباً، فالجهاز الذي يكتب هكذا حسم موقفه من الناس قبل أن يفتح الملفّ؛ لا يرى أمامه مواطنين بل قطيعاً يُحصى ويُساق، لذلك لم تكن تلك الأوراق تخفي جرائمها، بل تدوّنها بلغةٍ باردة إجراءً روتينياً.

وتشتدّ قسوة الكلمة بما يليها، ففي الأوراق ذاتها تُختم فقراتٌ عن مصير أهل قريةٍ كاملة بعبارة “أُحيلوا إلى الجهة المختصّة”، مفردةٌ تنزع عن الإنسان صفته، وعبارةٌ تُخفي مصيره، ولا جملةَ بينهما تُقرّ بأنّ في الأمر بشراً.

والمفارقة أنّ اللغة نفسها كانت سخيّةً في الاتّجاه الآخر، فالموظّف الذي كتب “المدعوّ” عن أستاذٍ جامعيّ، كتب في السطر التالي “الرفيق المناضل” و”السيد المدير المحترم”، لم تكن الألقاب شحيحة، بل موزَّعة بمقدار القرب من السلطة.

تلك الغرف كانت تروي قصّة شعبٍ صودرت إنسانيته منذ بدأت حقبة الانقلابات، فمن سبقها قسّم الناس أعياناً وعامّة، وهي قسمةٌ ظالمة، لكنّه لم يحتقرهم في لغته الرسمية، والأخطر أنّ الكلمة لم تمت مع النظام الذي أدمنها، فما تزال “المدعوّ” وأختها “الموما إليه” تتصدّران المخاطبات الرسمية حتى يومنا هذا، تصنّفان المواطن قبل أن تسمّياه، وتضعانه في موقع من يطلب لا من يستحقّ، فسقوط نظامٍ أسهل بكثير من سقوط لغته؛ اللغة تبقى في النماذج المطبوعة وفي عادة الموظّف، وتُورَّث بلا قرار.

أمّا الضفّة الأخرى من القاموس فقد بدّلت ثيابها ولم تبدّل وظيفتها، غاب “الرفيق المناضل” وحضر “سيدنا” و”مولانا” و”المجاهد”، ثمّ استُعير بعد 2003 قاموسُ تعظيمٍ دخيلٌ بأكمله: “فخامة الرئيس”، و”دولة رئيس الحكومة”، و”دولة رئيس البرلمان”، و”معالي الوزير”، و”سعادة السفير”، و”السيدة الأولى” وبقي المواطن “المدعوّ” و”الموما إليه”، وبقيت معها الأسماء الإيمائية التي تحجب أصحابها؛ فقبل 2003 عمل كثيرٌ من مسؤولي حزب السلطة سنواتٍ لم يعرف الناس أسماءهم الصريحة: هذا “أبوبعث”، وذاك “أبوعقيدة”، وثالثٌ “أبومناضل”، واليوم لدينا “أبوولاء” و”أبومجاهد” و”أبوالشهيد”، تبدّلت العقيدة وبقيت الكنية: سلطةٌ تعرف المواطن باسمه الثلاثيّ ورقم بطاقته، ولا يعرف هو اسم من يحكمه.

القاعدة إذن واحدة في العهدين: لا يُخاطَب الإنسان بصفته إنساناً، بل يُقاس موقعه من السلطة ثمّ تُصرف له المفردات بقدره؛ يُصغَّر من هو تحت، ويُضخَّم من هو فوق، ولا يجد المواطن العاديّ في القاموس الرسميّ كلمةً تنصفه.

إنّ لغة الدولة أوّل إعلانٍ عن موقعها من مواطنها، والدولة التي تكتب “المدعوّ” ستتصرّف يوماً بما يليق بالكلمة، لأنّ اللغة تسبق الفعل وتجعله مقبولاً في عين من ينفّذه، لذلك فإنّ إصلاحاً لا يبلغ مفردات المخاطبة لم يبلغ شيئاً بعد: تتبدّل اللافتات والوزارات والأختام، ويبقى النموذج المطبوع على حاله، والوثيقة التي تحتقر صاحبها لا تصير عادلةً لأنّ الحاكم تغيّر، بل حين تتغيّر هي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *