لا يبدو أنّ لبنان مقبل على مجرّد تبديلٍ في أسماء المهمات الدولية العاملة على أرضه، بقدر ما يقف أمام مرحلة قد تعيد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحًا: من يتولى الأمن حين تتغير قواعد الحضور الدولي، وهل يصبح هذا التغيير فرصة لتعزيز الدولة اللبنانية أم مدخلًا لترتيبات جديدة تُرسم حدودها خارج بيروت؟
في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس اكتمال التحضيرات لمهمة أوروبية جديدة لتدريب الجيش اللبناني وتقديم المشورة له، على أن يبحث وزراء خارجية الاتحاد إنشاءها في الثاني عشر من الشهر نفسه، بعد تلقي دعوة رسمية من السلطات اللبنانية. وأوضحت أنّ المهمة ستدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في تعزيز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود والأمن الداخلي، وفقًا للقرار 1701، مؤكدةً أنها ليست بديلًا من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ‘اليونيفيل’، ولن يقتصر عملها على الجنوب.
هذا التوضيح مهم، لأنّ الخلط بين المهمتين قد يقود إلى استنتاجاتٍ متسرعة، فالمهمة الأوروبية المرتقبة، وفق الإعلان المعلن، تقوم على التدريب والمشورة ودعم المؤسسات اللبنانية، فيما يتعلق السؤال الآخر بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، وما إذا كانت ستُعتمد صيغة أممية جديدة لتجنّب أي فراغ أمني.
مهمتان وسؤال واحد
تزداد أهمية هذا التمييز مع اقتراب نهاية العام، فقد مدّد مجلس الأمن ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن يبدأ خفض قوامها وانسحابها المنظم والآمن بعد ذلك، خلال سنة واحدة. وربط القرار هذه المرحلة بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان.
لكن بلوغ هذا الهدف لا يتحقق بمجرد تغيير طبيعة الحضور الدولي أو تقليصه. فهو يتطلب قدرة فعلية للمؤسسات اللبنانية على الانتشار والعمل، إلى جانب ترتيبات واضحة للتنسيق والمراقبة، وضمان احترام القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن النقاش: هل تُصمَّم المهمة الأوروبية لتكون رافعة لقدرات الدولة اللبنانية، أم أنّ تعدد التصورات الدولية بشأن المرحلة المقبلة قد يجعل لبنان أمام طبقات جديدة من الترتيبات الأمنية، من دون وضوح كافٍ في المسؤوليات والصلاحيات؟
واشنطن وبروكسل، أين يلتقي التصوران؟
تتحدث المقاربة الأوروبية المعلنة عن مساعدة الجيش وقوى الأمن الداخلي على توسيع قدرتهما على بسط سلطة الدولة. أما النقاش الأوسع حول مستقبل اليونيفيل، فيتصل بمسألة مختلفة: ما طبيعة الوجود الدولي الذي يمكن أن يستمر في الجنوب، وبأي تفويض قانوني، وما حدود دوره في مراقبة التهدئة وتسهيل التنسيق ومنع التصعيد؟
ولا يجوز، في هذا السياق، اختزال التحرك الأوروبي في كونه تنفيذًا لشروط أميركية، أو افتراض أنّ التفاهم بين واشنطن والعواصم الأوروبية قد حُسم في جميع تفاصيله، فالمعطيات المتاحة تشير إلى استمرار البحث في صيغ متعددة، فيما تؤكد أوروبا نفسها ضرورة وجود تفويض أممي واضح لأي قوة دولية جديدة، إذا تقرر إنشاؤها.
المسألة، إذًا، ليست منافسة بين الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، بل اختبار لمدى قدرة الأطراف الدولية على الاتفاق على إطار لا يحوّل لبنان إلى مساحة تتنازعها التصورات الأمنية، فيما تتأخر الدولة نفسها عن امتلاك الأدوات اللازمة لتنفيذ مسؤولياتها.
المعيار الذي لا يحتمل التأجيل
لا ينبغي أن يبقى النقاش حبيس العواصم والبيانات الدبلوماسية، ففي القرى الحدودية، ولا سيما رميش ودبل وعين إبل، تتصل المسألة مباشرة بحياة السكان اليومية: أمن الطرق، وإمكانية الوصول إلى المنازل والأراضي، واستمرار تدفق الغذاء والدواء والمواد الأساسية، وقدرة الناس على ممارسة حياتهم من دون أن يصبح كل انتقال مغامرة أمنية.
ومن هنا، فإنّ أي صيغة مقبلة تحتاج إلى إجابات عملية: من يتولى التحقق من الوقائع الميدانية؟ كيف تُسهَّل حركة المدنيين والإمدادات؟ ما آلية التنسيق عند وقوع انتهاكات أو حوادث؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات اللبنانية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، في منع تحول انتهاء مهمةٍ إلى فراغ في الحماية أو المتابعة؟
هذه ليست تفاصيل تقنية ثانوية، بل جزء من جوهر السيادة، فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إعلان مسؤوليتها عن أرضها، وإنما أيضًا بقدرتها على ضمان حياة سكانها وحماية حقوقهم على هذه الأرض.
الدعم الدولي لا يصنع دولةً بالنيابة عنها
من حق لبنان أن يطلب المساندة الدولية، ومن مصلحته أن يستفيد من الخبرات الأوروبية في تطوير قدرات جيشه وأجهزته الأمنية، لكن قيمة هذه المساندة تتوقف على وضوح هدفها، وعلى أن تبقى المؤسسات اللبنانية صاحبة المسؤولية الوطنية، لا مجرد طرف إضافي في شبكة ترتيبات يضع الآخرون قواعدها.
ويبدأ ذلك من تطبيق قرارات الدولة نفسها، وتعزيز حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وربط الأمن بمرجعية قانونية واحدة، بعيدًا من ازدواجية القرار العسكري والأمني. كما يتطلب توافقًا سياسيًا يسمح للمؤسسات الرسمية بتحمل مسؤولياتها، بدل الاكتفاء بتكرار المبادئ في البيانات.
ولعل ما يبدو واضحًا في هذا السياق أنّ المهمة الأوروبية قد تكون خطوة مفيدة في هذا الاتجاه، لكنها ليست حلًا مكتملًا، ولا بديلًا من التوافق الدولي على مستقبل الوجود الأممي في الجنوب، ولا تعويضًا عن المسؤولية اللبنانية المباشرة.
وفي النهاية، لا يكمن السؤال في ما إذا كانت أوروبا ستعيد رسم قواعد الأمن في لبنان، بل في ما إذا كان لبنان قادرًا على جعل أي دعم خارجي وسيلةً لتثبيت قواعده الوطنية، فالدعم الدولي قد يساعد الدولة على الوقوف، لكنه لا يستطيع أن يقف مكانها إلى الأبد.

التعليقات