استفزني جدًا عنوان هذا الكتاب للوهلة الأولى، وتساءلت مباشرة: أيمكن حقًا لي أو لشخص ما، أن يكتب مسرحياته وقصصه على طريقة أنطوان تشيخوف بعد قراءة هذا الكتاب؟ أم ربما جاء هنا مجرد عنوان تسويقي ليس إلا؟ فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس، لأن من حق المؤلف والناشر الترويج لبضاعتهما وتسويقها بهدف ربحي مشروع لهما طبعًا.
برغم أني لست كاتبًا مسرحيًا ولا قاصًا أو روائيًا، فتساءلت مرة أخرى: كيف إذا لمح عنوان هذا الكتاب شاب واعد موهوب ومبتدئ في كتابة القصة والمسرحية مثلًا، فهل سيصدق ذلك؟ إذا صدقه كارثة، وإذا لم يصدقه فالكارثة أكبر؛ لأنه وهو يقرأه سيتخيل نفسه بأنه سيكتب على طريقة تشيخوف بعد انتهائه من قراءة هذا الكتاب. عمومًا…
الكتاب “كيف تكتب على طريقة تشيخوف” إعداد وترجمة حبيب زريق، الصادر عن منشورات حياة في طبعته الأولى 2025م، وهو عبارة عن (نصائح وقبسات من صميم رسائل الأديب الروسي أنطوان تشيخوف وأعماله) بحسب تكملة عنوان الكتاب في الصفحة الداخلية الأولى، ليذكر بعد ذلك وقبل التوطئة وفي ص 7 اسم محرر الكتاب وهو (بييرو برونيلو) أستاذ التاريخ الاجتماعي في جامعة فينيس (البندقية) بإيطاليا، إلى جانب المحررة والمترجمة (لينا لينيشيك) أستاذة اللغة الروسية والإنسانيات في كلية ريد ببورتلاند أوريغون في الولايات المتحدة؛ فأجد من الأهمية بمكان وجود اسميهما كمحررين على غلاف الكتاب.
يكشف لنا المحرر برونيلو أن هذا الكتاب: “نصائح أنطوان تشيخوف عن كيفية الكتابة، وهو يهدف إلى نقل إرشادات تشيخوف إلى من يريد أن يصبح كاتبًا جيدًا، ونقدمه على أمل أن تكون هذه الإرشادات مفيدة – بطرق مختلفة – لكل من الكُتّاب المبتدئين والكُتّاب المحترفين ذوي الخبرة على حد سواء” ص 15، لأن الكتاب مخطوطة غير روائية أنشأها محررها سعيًا إلى فهم “ما كان تشيخوف يفعله خلال رحلته، وثانيًا إلى تقديم الأحداث والحكايات التي يرويها كنصائح نظرية كانت أم عملية”. وعلى حد قول كاثرين مانسفيلد، وهي كاتبة تشترك مع تشيخوف في نظرته تجاه الحياة فقالت: “يراقب الفنان الحياة عن كثب ويقول بهدوء: إذن هذه هي الحياة، أليس كذلك؟ ثم يقعد ليحاول التعبير عنها”. ص 19.
المتفائم، تسمية جديدة لتشيخوف قدمها مترجم الكتاب حبيب زريق، وهي كلمة منحوتة من (المتفائل والمتشائم)، من كثرة التسميات والألقاب التي تم إطلاقها على كاتب كبير مثل تشيخوف أمثال مكسيم غوركي وستانسلافسكي وتولستوي، وعدد كبير من النقاد السوفييت “الذين أظهروا تشيخوف بصورة المخدّر الجمالي واصفين إياه بأنه منشد الشفق وشاعر الهامشيين وموهبة مريضة وشاعر الكرب وصوت أسى العالم، وربما أدق هذه الأوصاف المتفائم” ص 25.
تستمر لينا في مقدمتها عن الرجل المصاب بداء السل، تشيخوف، متوقفة بالنقد والتشريح لشخصياته المسرحية والقصصية، ومتابعة ما قاله عنه النقاد، ثم التعريج على أهم محطاته الحياتية التي كان لها الأثر البالغ في تغليف تجربته الحياتية كطبيب، وكيف تلاقحت هذه المهنة وانعكست في صياغة موضوعات مسرحياته وقصصه ورواياته، الأمر الذي ضاعف التجربة الحياتية والتأليفية لدرجة أن يقول للناس: “انظروا، انظروا إلى مدى سوء حياتكم، انظروا كم هي مملة، الأمر المهم هو أن الناس عليهم فهم هذا، فإذا فهموه فسيخترعون بالتأكيد حياة مختلفة أفضل بكثير، لن يصير الإنسان أفضل إلا عندما نظهره كما هو”. بالسياق نفسه يقول عنه تولستوي: “في تشيخوف كل شيء حقيقي حتى حافة الوهم، وقصصه تعطي انطباعًا مجسمًا أنه يرمي بالكلمات في بعثرة ظاهرية، ولكنه كرسام انطباعي يحقق نتائج رائعة بلمساته”.
الفنان لا يكذب، الفنان يكون صادقًا في كل شيء، حتى في وصفه للطبيعة؛ هكذا تتوالى علينا رسائل تشيخوف لأصدقائه وهي محشوة ومتورمة بكم هائل من النصائح والإرشادات، وكأنه ذلك (المعلم) الحكيم في الحياة وفي الفن. ونحن نعيش مع سطور الكتاب بين تحليل أعماله وطروحاته فيما يرى وفيما نهل من التجربة الحياتية الكبرى وتجربته الكتابية الأكبر، ونتساءل أيضًا مرة أخرى: أيمكن للقارئ الذي يطّلع على هذه الرسائل المرسلة من تشيخوف إلى كم هائل من أصدقائه من كُتّاب وكاتبات وصحفيين ونقاد من المعاصرين له، أيمكن أن تجعل من القارئ كاتبًا ولو معقولًا؟ ليس مثل تشيخوف أقول، بل أقول كاتبًا مقبولًا، أيمكن؟ مثالنا هذا يتعلق بما سألناه، في رسالة تشيخوف هذه إلى ألكسندر لازاريف – غروزينسكي، موسكو 3 آذار 1890، يقول فيها: “لكتابة قصة تحتاج إلى خمسة أيام أو ستة، وفي أثناء هذه الفترة عليك أن تفكر فيها كل لحظة، وإلا لن تستطيع أبدًا أن تصوغ جملًا جيدة. وعلى كل جملة، قبل أن تبلغ الصفحة، أن تمضي يومين في دماغك، تستلقي بسكون تام وتزداد وزنًا…” إلخ؛ لكم التعليق.
وتتواصل رسائل تشيخوف في توصياتها ونصائحها والتي ربما لا تخطر على بال أحد؛ فيحذر من الشخصيات الزائدة مثلًا، والاهتمام بشخصيات حية فاعلة في الحدث المسرحي أو القصصي، فتتنوع عنده الشخصيات بين: ناجحون وفاشلون، أعلام وخلفيات، أطباء ومرضى، سكيرون ومخادعون، المشعوذون والحمقى، ثم يعرض علينا ما ينبغي تجنبه مثل تأنيب الآخرين ممن يرومون النصح، وما ينبغي الاهتمام به كالعواطف، لينصحنا بعد ذلك بـ: صحبة الكُتّاب الحقيقيين، والابتعاد عن النخبة المثقفة إعلاميًا؛ لأن تشيخوف ليس لديه ثقة بهم مطلقًا، وذلك لأنها حسب قوله: “نخبة منافقة، وغير شريفة، وهستيرية، وغير متحضرة، وكسولة، لا أومن بها حتى عندما تدعي أنها تعاني وعندما تحتج، وذلك لأن مضطهديها إنما خرجوا من تحت إزارها…”. كما يوصي بالابتعاد عن السياسة ورفض الرقابة، ويوصي أيضًا بـ: السفر، والتغلب على العطالة، ولا حاجة للرد على النقاد، اقرأ ولخص، استمع إلى صوت ضميرك، كن مستعدًا لمراجعة آرائك دائمًا، احمل معك في جيبك دفتر ملاحظات، افعل أشياء عملية، اطلب المساعدة، شارك في الاحتفالات، زر المقابر، راقب جيدًا كل شيء حولك، أصغِ إلى الشائعات، ادرس الكتابات على الجدران، انتبه إلى أسماء الأماكن، اجمع الحقائق، ادرس المناخ، أطّر الأسئلة، أجرِ محادثات مع الناس، ادرس الأطفال، لا تؤجل الكتابة، أن تكون موضوعيًا، تحقق من الموثوقية، استشهد بالحقائق، أن تكون صادقًا، أدخل نفسك في المشهد وعلّق عليه، كتابة النصائح، (اكتب كما لو كنت ترسم)، اقرن بين: الماضي والحاضر، المألوف واللامألوف، اسأل نفسك دائمًا: لماذا أكتب؟
حتى نصل إلى نهاية الكتاب لنجد ثبتًا سيريًا عن أكثر من ثلاثين من معاصري تشيخوف الذين ظهروا في مراسلاته هنا من معارفه من الأدباء والاجتماعيين ممن وردت رسائلهم في الكتاب، ثم تليها خاتمة الكتاب وهي سيرة أنطوان تشيخوف وبقلمه وعلى مضض؛ لأنه كان يتجنب الكتابة عن نفسه دائمًا بحسب المحرر. عدد صفحات الكتاب 280 صفحة، وهو جدير بالقراءة.

التعليقات