التخطي إلى المحتوى

يشهد مفهوم الأمن القومي العربي تحولاً بنيوياً عميقاً يتجاوز التحولات الظرفية المرتبطة بالحروب والأزمات، فبعد سلسلة من الصدمات المتتالية المتمثلة في جائحة كورونا وحرب أوكرانيا وحرب غزة 2023-2024، وأزمة الملاحة في البحر الأحمر، انتقلت المنطقة من حالة إدارة التهديدات التقليدية إلى حالة إعادة تعريف التهديد نفسه. لم يعد الأمن القومي يُقاس بتوازن القوى العسكرية الكلاسيكي، بل بقدرة الدولة على الصمود المركب

أولاً: من التهديد الأحادي إلى التهديدات المركب

قامت العقيدة الأمنية العربية لعقود على ثلاثية واضحة: الخطر الإسرائيلي، الخطر الإيراني، وخطر الجماعات الإرهابية العابرة للحدود. هذا التصور الأحادي تفكك لثلاثة أسباب:

1 تآكل الدولة الوطنية: أخطر تهديد أمني حالياً ليس غزواً خارجياً، بل انهيار الداخل. حالات السودان وليبيا واليمن وسوريا أثبتت أن انهيار مؤسسات الدولة ينتج تهديدات لا يمكن احتواؤها بالجيوش النظامية، مثل انتشار السلاح، وتدفق اللاجئين الذي بلغ أكثر من 15 مليون نازح عربي، ونشوء اقتصادات حرب قائمة على تهريب الذهب والسلاح والمخدرات كالكبتاجون.

2 تحول طبيعة الحرب: الحروب بالوكالة لم تعد تعتمد على جيوش نظامية، بل على أدوات غير متماثلة منخفضة التكلفة وعالية التأثير. الهجمات بالمسيرات التي لا يتجاوز ثمنها 2000 دولار أصبحت قادرة على تعطيل مطارات وشركات نفط، كما حدث في بقيق وخريص والعديد من القواعد في العراق والأردن. هذا خلق ما يسمى “معضلة التكلفة غير المتوازنة”، حيث يدفع المدافع ملايين لاعتراض هدف يكلف آلاف.

3 أمننة القطاعات غير العسكرية:  كشفت أزمتي الغذاء والطاقة أن الأمن القومي مرتبط بشكل عضوي بالأمن الغذائي والمائي. الدول العربية تستورد حوالي 50 في المئة من احتياجاتها من القمح، وتمر 12 في المئة من التجارة العالمية عبر باب المندب. أي اضطراب هناك، كما حدث في 2024، يرفع أسعار الغذاء ويهدد الاستقرار الداخلي بشكل مباشر، وهو ما يفسر عودة الدول للاستثمار في الزراعة الخارجية وتحلية المياه بالطاقة النووية.

ثانياً: تصدع النظام الإقليمي وتنافس ثلاثة نماذج

لم يعد هناك نظام عربي واحد، بل ثلاثة مشاريع تتنافس على صياغة قواعد الأمن:

أ. نموذج الاندماج الردعي: تقوده الإمارات والسعودية والمغرب والأردن. يقوم على فرضية أن الأمن يتحقق عبر الاندماج في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والتحالف مع القوى الغربية وإسرائيل لردع إيران. أدواته هي اتفاقيات أبراهام، وصفقات الدفاع الجوي المشترك، ومشاريع الممرات مثل الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي (IMEC)

ب. نموذج المقاومة المسلحة: تقوده إيران عبر شبكة حلفاء غير دوليين في لبنان والعراق واليمن. يقوم على الردع غير المتماثل واستنزاف الخصم عبر جبهات متعددة. هذا النموذج بلغ ذروته في 2023-2024 ثم تعرض لانحسار كبير بعد المواجهة المباشرة مع إسرائيل والضربات التي أفقدته جزءاً من قدراته القيادية.

ج. نموذج السيادة المتحفظة: تمثله الجزائر وعمان وقطر بدرجات متفاوتة. يقوم على مبدأ عدم الانحياز وعدم التدخل، والتركيز على تحصين الداخل بدلاً من التوسع الخارجي وهو النموذج الأكثر قبولاً شعبياً لكنه الأقل قدرة على فرض أجندة إقليمية.

ما بعد حرب غزة خلق فراغاً استراتيجياً، حيث تجمد النموذج الأول وتراجع الثاني ولم يتقدم الثالث ليملأ الفراغ، مما فتح المجال لتدخلات تركية وصينية وروسية أكبر.

ثالثاً: التهديدات المستجدة كمحور للعقيدة الأمنية القادمة

1 السيادة الرقمية: لم تعد الحرب السيبرانية تهديداً هامشياً. هجمات على بنوك وموانئ ومحطات كهرباء في دول الخليج ومصر أظهرت هشاشة البنية التحتية. الاستثمار في الأمن السيبراني أصبح يوازي الاستثمار في سلاح الجو.

2 الذكاء الاصطناعي والديموغرافيا: هناك فجوة مقلقة. دول الخليج تستثمر 20 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي كأداة للمراقبة الحدودية وتحليل التهديدات، بينما تواجه مصر وشمال أفريقيا انفجاراً شبابياً حيث 60 في المئة من السكان تحت 30 سنة مع بطالة تتجاوز 25 في المئة. الفشل في تحويل هذه الكتلة إلى طاقة إنتاجية سيحولها إلى تهديد أمني داخلي.

3 تراجع المظلة الأمريكية: الولايات المتحدة انتقلت من استراتيجية “القيادة من الأمام” إلى “القيادة من الخلف”. هي تريد شريكاً يدفع ويدافع، لا تابعاً يحمي. هذا يدفع الدول العربية لتنويع مصادر السلاح نحو الصين وتركيا وكوريا الجنوبية، لكنه يخلق مشكلة في التكامل العملياتي بين أنظمة تسليح غربية وشرقية.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية 2026-2030

1 السيناريو المرجح (التجزئة الأمنية): لا ناتو عربي. سيتشكل حلفان مصغران: حلف خليجي-مصري-أردني للدفاع الجوي المشترك ضد المسيرات والصواريخ، وحلف شرق المتوسط (مصر-تركيا-ليبيا) للتنافس والتعاون حول غاز المتوسط. يبقى الأمن قضية إقليمية مجزأة.

 2 السيناريو الإيجابي (الأمن التنموي): تنجح السعودية ورؤيتها 2030 ومصر والإمارات في ربط الأمن بالتنمية عبر استثمارات تمنع انهيار السودان واليمن، وإنشاء سلاسل إمداد غذائي عربية مشتركة، وتوطين صناعة المسيرات والدفاع الجوي.

3 السيناريو السلبي (صوملة الفضاء العربي): استمرار انهيار دول الحزام (السودان، اليمن، ليبيا، سوريا) يحول البحر الأحمر والصحراء الكبرى إلى فضاء غير محكوم، تصبح فيه الهجرة والتهريب والإرهاب هي التهديدات المركزية، وتُستنزف ميزانيات الدول المستقرة في حراسة الحدود.

الخلاصة: مستقبل الأمن القومي العربي لن تحدده صفقات طائرات مقاتلة جديدة، بل الإجابة على ثلاثة اختبارات وجودية: هل تستطيع الدولة إطعام مواطنيها دون الاعتماد على الخارج؟ هل تستطيع حماية مجالها الجوي من مسيرة تكلف 500 دولار؟ وهل تمتلك رؤية سياسية تمنع جارها من الانهيار قبل أن يغرقها معه؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *