الرباط ـ يحضر المغرب في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة ضمن الدورة المقبلة من مهرجان الدوحة السينمائي، من خلال فيلم ‘باردي’ للمخرجة تالا حديد، الذي يسلط الضوء على تقليد ‘التبوريدة’ العريق في وسط المغرب، مستكشفا أبعاده الثقافية والاجتماعية ورمزيته في الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي، وذلك إلى جانب 14 فيلما من العالم العربي وآسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين.
وأعلن مهرجان الدوحة السينمائي، في بلاغ له، قائمة الأفلام الـ15 المشاركة في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة لعام 2026، التي تضم أعمالا روائية ووثائقية لصناع أفلام من مناطق وثقافات مختلفة، من بينها أفلام حازت جوائز في مهرجانات سينمائية دولية مهمة، في برمجة تسعى إلى إبراز تنوع التجارب السينمائية المعاصرة وتعدد الرؤى الفنية في تناول القضايا الإنسانية والثقافية.
ويقدم فيلم ‘باردي’، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا والولايات المتحدة وقطر، للمخرجة تالا حديد، صورة عن عالم ‘التبوريدة’، حيث يتحول المزارعون والعمال في وسط المغرب إلى فرسان ومحاربين وأمراء خلال ممارسة هذا التقليد العريق في الفروسية، الذي يمتد تاريخه إلى قرون، ويشكل أحد أبرز مظاهر التراث الشعبي المغربي المرتبط بالفروسية والاحتفالات الجماعية.
وتعد ‘التبوريدة’، المعروفة أيضا بفن الفروسية التقليدية، ممارسة تراثية تستند إلى عروض جماعية يؤديها فرسان يمتطون خيولا مزينة بأدوات تقليدية، ويرتدون أزياء مستوحاة من اللباس المغربي التاريخي، حاملين بنادق البارود التي يطلقونها في توقيت متزامن ضمن استعراضات تتطلب الانضباط والتنسيق والمهارة.
ومن خلال اختيارها هذا العالم موضوعا لفيلمها، يفتح ‘باردي’ نافذة على علاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي والثقافي، وعلى الكيفية التي تتحول بها الممارسات المتوارثة إلى جزء من الهوية الجماعية. كما يبرز التناقض بين الحياة اليومية للمزارعين والعمال، بما تتضمنه من مشاغل ومسؤوليات، والصورة الرمزية التي يكتسبونها خلال مشاركتهم في عروض التبوريدة، حين ينتقلون من واقع العمل إلى فضاء الاحتفال واستعادة أمجاد الفروسية.
ويكتسب هذا المنظور أهمية خاصة في السينما الوثائقية التي تسعى إلى الاقتراب من المجتمعات من داخل تفاصيل حياتها اليومية، بعيدا عن الصور النمطية أو القراءات الاختزالية للتراث، فالممارسات الثقافية لا تنفصل عن الأشخاص الذين يحافظون عليها وينقلونها بين الأجيال، كما أن استمرارها يرتبط بقدرتها على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المناطق التي تحتضنها.
وكان الفيلم قد شهد عرضه العالمي الأول باعتباره العمل المحوري ضمن قسم ‘تيارات’ في مهرجان نيويورك السينمائي، في محطة أتاحت له تقديم هذا المكون من الثقافة المغربية أمام جمهور دولي.
ويعزز اختياره للمشاركة في المسابقة الدولية لمهرجان الدوحة السينمائي فرص وصول العمل إلى جمهور أوسع، كما يسلط الضوء على حضور السينما المغربية في التظاهرات الدولية التي تحتفي بالأعمال ذات الخصوصية الثقافية والرؤية الفنية المتميزة.
وتكتسب مشاركة ‘باردي’ في مهرجان الدوحة أهمية أيضا بالنظر إلى طبيعة إنتاجه المشترك بين أربعة بلدان، وهو ما يعكس بعدا دوليا في إنجاز العمل وتطوير فرص تداوله خارج حدوده المحلية.
وتتيح مثل هذه الشراكات إمكانات أوسع لدعم المشاريع السينمائية التي تنطلق من قصص وممارسات محلية، لكنها تحمل في الوقت نفسه أبعادا إنسانية وثقافية قابلة للتفاعل مع جماهير من خلفيات مختلفة.
وتؤكد مشاركة الفيلم المغربي ضمن المسابقة الدولية أن التراث يظل مصدرا غنيا للتعبير السينمائي، لا باعتباره مجرد استعادة للماضي، بل بوصفه فضاء حيا تتقاطع فيه الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية.
ومن خلال ‘باردي’، يجد فن التبوريدة طريقه إلى الشاشة الكبيرة، حاملا تفاصيل من الثقافة المغربية إلى منصات سينمائية دولية، ومقدما للجمهور فرصة للتعرف على أحد تقاليد المملكة العريقة من منظور فني وإنساني.

التعليقات