كشفت تداعيات الحرب بين الحكومة الإثيوبية الحالية وبين جبهة تحرير شعب تيغراي، عمق الأزمة بين أديس أبابا والقاهرة، والتي تتعدى الخلافات حول ملف سد النهضة، فقد سعت أثيوبيا إلى توجيه اتهامات بالتدخل في شؤونها الداخلية، وهي فرية لا تتواءم مع التوجهات المبدئية المصرية حيال الدول الأفريقية، حيث درجت مصر على دعم وحدة الدول والحفاظ على أمنها واستقرارها، ورفض عام للدور السلبي الذي تلعبه أية جماعات وميليشيات وحركات مسلحة.
يشير تكرار الاتهامات والبحث عن ذرائع لإدانة القاهرة من قبل الحكومة ووسائل الإعلام في أديس أبابا، إلى وجود عقدة تاريخية في الذهن الإثيوبي إسمها مصر، التي احتلت مكانتها في القارة من أدوار إيجابية متعددة في مختلف أنحائها، لا تزال أثارها باقية في العقل الأفريقي، وتتذكرها أجيال عدة، بينما تظل أديس أبابا رمزا امبراطوريا يسعى دوما إلى الهيمنة على دول الجوار. أدت هذه الرؤية إلى محاولة تحطيم الصورة الإيجابية لمصر والعمل على “شيطنتها”، عسى أن تتغير الانطباعات عن إثيوبيا.
قد يكون سد النهضة رأس الحربة في الدعاية الإثيوبية، من حيث اعتبار الإجراءات المنفردة يمكن أن تمنح أديس أبابا قوة معنوية، وأن تشييده من دون إرادة مصر ربما يجبرها على تقديم تنازلات في مجالات أخرى.
ثم اكتشفت إثيوبيا صعوبة هذه المسألة، واتجهت إلى الترويج لفكرة أن مصر ضد التنمية التي تقيمها، ممثلة في سد النهضة، لكن الأهداف أبعد من ذلك، فعندما برعت القاهرة في توطيد علاقاتها عبر دعم الكثير من المشروعات التنموية، مع تركيز خاص على منطقة شرق أفريقيا (تنزانيا والصومال والكونغو الديمقراطية)، سعت أديس أبابا إلى تجريدها من ورقة مادية مهمة تؤكد بها أن نوايا مصر غير صادقة.
اتجهت إثيوبيا إلى اختبار صلابة مصر في ملف آخر لا يقل أهمية عن سد النهضة، يتعلق بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، حيث وقّعت مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال، غير المعترف به دوليا، للحصول على منفذ بحري، يستخدم في أغراض عسكرية، وضاعفت أديس أبابا من رسائلها القاتمة نحو إريتريا للسيطرة على ميناء عصب على البحر الأحمر. والآن يتم تهيئة الأجواء لحرب عسكرية بين البلدين، بعد تناثر معلومات حول تدخلات عسكرية إريترية في أراضي إثيوبية.
بعد أن وجدت أديس أبابا صدا مصريا لمسار الدعاية والاتهامات والضغوط، ومن غالبية الدول المجاورة، لم تتوان في وقت سابق عن التلويح بالوصول إلى أغراضها في البحر قسرا، وألّحت على ذلك بحجة أنها دولة حبيسة ولها حقوق تاريخية في إريتريا، الأمر الذي تنكره إثيوبيا على مصر عندما تطالب بالحفاظ على حقوقها التي وفرتها اتفاقيات قانونية سابقة في مياه النيل، وتريد المساومة عليها.
أصرت إثيوبيا على تحويل تطلعاتها وأحلامها في الوصول إلى البحر إلى واقع، وقدمت سرديات سياسية وإعلامية وتاريخية متباينة. هدفها تشتيت انتباه مصر بين النهر والبحر والبر. تعمدت تصوير كل تحرك مصري، سياسي واقتصادي وأمنى، في منطقة القرن الأفريقي على أنه استهداف مباشر لها، مثل مشاركتها في قوات حفظ السلام بالصومال، كي تتمكن من زيادة التشويش على صورة القاهرة في أفريقيا، وقلب الحقائق بالإيحاء أن إثيوبيا مستهدفة بالقوة دائما من جانب مصر.
تأكدت أديس أبابا أن القاهرة ليست عقدة تاريخية فقط، بل عقبة رئيسية أمام طموحات قيادتها الإقليمية وعليها مواصلة التحريض عليها بشتى السبل، لأنها ستظل حائلا أمام رغبتها في فرض السيطرة على المنطقة المجاورة لها.
وتعد مصر في مقدمة الدول الرافضة لتصورات الهيمنة المصحوبة بجموح آبى أحمد رئيس الحكومة الحالية في تعظيم الدور الوظيفي لبلاده، وخدمة مصالح بعض القوى الإقليمية والدولية، وخلق تحالفات جديدة تساهم في تغيير وجه شرق أفريقيا بشكل يصب في صالحها.
تتجاهل الحكومة الإثيوبية أن كل ما يهم القوى الخارجية التحكم في مفاصل الحل والعقد في المنطقة القريبة من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتنحية أي دور لمصر التي لا تزال تحظى بمكانة تاريخية في الوجدان الأفريقي العام.
تعمل القاهرة حاليا على تصحيح أخطاء وقعت خلال فترة سابقة، من خلال تطوير علاقاتها على أصعدة مختلفة، ما دفعها إلى القيام باستدارة كاملة والدخول في شراكات أفريقية متعددة.
زادت هذه المسألة من هواجس إثيوبيا، لأن توسيع نطاق الحضور المادي والمعنوي لمصر في القارة قرأته أديس أبابا على أنه يحد من قدرتها على تسويق روايتها السلبية حيال القاهرة، ويساعد في ترسيخ العقدة التاريخية لها.
ينطوي التركيز على مصر في كل واردة وشاردة تتعلق من قريب أو بعيد بإثيوبيا على إصرار لتغيير الصورة الذهنية عن القاهرة، والإيحاء بأنها لا تريد خيرا لأفريقيا بشراكاتها المتنوعة. تريد القول إن أمام شعوب القارة نموذج إثيوبيا التي تسعى للتنمية المستقلة، في حين تقوم مصر بتعطيلها وتحجيمها، واستندت أديس أبابا إلى أفكار ساذجة من قبيل تشكيل لجنة وطنية لمطالبة مصر بتعويضات عن استفادتها من فائض المياه خلال العقود الماضية، ما جعلها تبدو مرتبكة في أحيان كثيرة.
أصبحت مصر التي صبرت على المفاوضات على عشرة أعوام، ووقعت على وثيقة واشنطن التي تهربت إثيوبيا من التوقيع عليها متهمة بالتخلي عن التسوية السياسية لأزمة سد النهضة. اتهمت مصر التي ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول من قبل أديس أبابا بأنها تدعم جبهة تحرير شعب تيغراي.
أغرب شىء يؤكد وجود تعمد للتزييف وإثارة اللغط وحرف القضايا الأساسية عن مسارها، هو اتهام مصر، دولة المصب، بأنها شيّدت السد العالي في جنوبها منذ نصف قرن ولم تحصل على موافقة إثيوبيا مسبقا.
والأكثر طرفة أن هذه التهمة ارتدت إلى أديس أبابا، لأن مضمونها ينحاز إلى ضرورة حصولها على موافقة صريحة من دول حوض النيل قبل تشييد سدودها، حيث تؤثر سلبا على مصالح مصر، بينما أي سد في دول المصب لا يؤثر على دول المنبع.
الخلاصة، أن ما يشبه العقدة المصرية به الكثير من الافتعال الإثيوبي لإيجاد حالة رفض لأي دور قامت أو ستقوم به القاهرة في شرق أفريقيا، بالتالي إجبارها على التخلي عن مقارباتها الجديدة في المنطقة، وهو ما تفهمه مصر وتتصدى له سياسيا.

التعليقات