وأكد زعيم التيار الوطني الشيعي أن العراق يريد بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول، بعيداً عن التدخلات الخارجية، سواء كانت شرقية أم غربية، مشدداً في الوقت ذاته على رفض الفساد والتبعية. كما رفض تحويل العراق إلى ساحة للصراعات السياسية والاقتصادية بين الدول، قائلاً إن العراقيين ليسوا ملزمين بالدفاع عن أي طرف أو القتال بالنيابة عن أحد.
ودعا الصدر الولايات المتحدة إلى تبني سياسة تحترم سيادة الدول، وتحسين صورتها لدى شعوب الشرق الأوسط، معتبراً أن القوى الكبرى مطالبة بأن تكون “واعية وراعية للسلام” بدلاً من تأجيج الفتن والحروب، مشددا على أن العراقيين يريدون العيش بأمن وسلام مع جيرانهم، وأن تكون المصالح الوطنية العراقية هي أساس علاقاتهم الخارجية.
وتكتسب الرسالة أهمية خاصة من توقيتها، إذ جاءت بعد إعلان رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي الانتهاء الرسمي لمهمة التحالف الدولي في العراق، وهو تطور ينقل العلاقة بين بغداد والقوى الدولية، وخصوصاً واشنطن، إلى مرحلة مختلفة تقوم على ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
والأرجح أن الصدر لا يخاطب الولايات المتحدة وحدها، بل يحاول أيضاً تثبيت قاعدة سياسية للمرحلة المقبلة: العراق لا يريد استبدال تبعية بأخرى، فرفضه التدخلات “شرقية كانت أم غربية” يضع، نظرياً، مسافة واحدة بين النفوذ الأميركي والنفوذ الإيراني، ويمنح خطابه بعداً يتجاوز الخصومة التقليدية مع واشنطن.
لكن توقيت الرسالة قد يحمل دلالة أخرى، فالصدر الذي اختار الانسحاب من العملية السياسية بعد انتخابات 2021، يدرك أن إعادة تشكيل التوازنات العراقية بعد انتهاء مهمة التحالف يمكن أن تفتح نقاشاً جديداً حول شكل الدولة، ومستوى استقلال قرارها، ودور الفصائل المسلحة وعلاقتها بالخارج. لذلك قد يكون في رسالته، إلى جانب الموقف المعلن، إعادة تقديم نفسه باعتباره صوتاً عراقياً عابراً للاستقطاب الأميركي الإيراني، خصوصاً إذا اتسعت في المرحلة المقبلة المطالب بحصر السلاح بيد الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصدر يستعد للعودة المباشرة إلى المشهد السياسي، أو أن رسالته تمثل تحولاً في موقفه من واشنطن، فالأرجح أنها محاولة لرسم حدود مسبقة لأي ترتيبات مقبلة والتأكيد أن انتهاء مهمة التحالف لا ينبغي أن يقود إلى فراغ تستفيد منه قوى خارجية أخرى.
وبعبارته الختامية “لن نكون تبعاً لا لكم ولا لغيركم”، يضع زعيم التيار الوطني الشيعي جوهر رسالته في عنوان واحد: السيادة العراقية أولاً، غير أن اختبار هذا الطرح سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة القوى العراقية على تحويله من خطاب سياسي إلى قواعد فعلية تضبط السلاح والعلاقات الخارجية وتمنع استخدام العراق مجدداً كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

التعليقات