أربيل – تزايدت المخاوف في إقليم كردستان العراق من أن يؤدي اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي إلى فتح مساحة أوسع أمام إيران وحلفائها لتعزيز حضورهم السياسي والأمني في شمال البلاد وذلك في تقرير نشرته صحيفة “دوتش فيله” الألمانية، في وقت فقد فيه الإقليم المظلة العسكرية التي اعتمد عليها لسنوات، ويواجه في الوقت نفسه ضغوطاً من بغداد وتهديدات إقليمية.
وتبرز هذه الهواجس مع دخول العراق مرحلة جديدة عقب إنهاء الولايات المتحدة مهمتها العسكرية في 30 سبتمبر/أيلول، وهي الخطوة التي أنهت وجود القوات الأميركية في قواعدها المتبقية، خصوصاً في المناطق التي كان لإقليم كردستان حضور بارز فيها. وبينما رحبت بغداد بالانسحاب باعتباره تكريساً للسيادة، أثار التطور في أربيل تساؤلات بشأن قدرة الإقليم على سد الفجوة الأمنية التي قد تنشأ بعد مغادرة القوات الأميركية.
وتخشى أوساط كردية من أن تستفيد طهران والفصائل العراقية المتحالفة معها من هذا التحول لإعادة ترتيب موازين القوى على نحو يحد من هامش الحركة الكردية. ويشير التقرير إلى أن إيران باتت في موقع يسمح لها بتحقيق مكاسب استراتيجية في الإقليم، خصوصاً مع حديث عن تباينات بين أربيل والسليمانية وتصاعد الضغوط القادمة من بغداد.
وليس هنالك في أربيل مخاوف من احتمال شن ايران في وضعها الحالي هجوما واسعا على الإقليم، بل تتعلق، وفق محللين تحدثوا للموقع الألماني، بمسار تدريجي يمكن أن يؤدي إلى إضعاف استقلالية القرار الكردي. ويرى محلل شؤون الشرق الأوسط حسام داستبيش أن استراتيجية طهران تجاه أربيل تقوم على الاحتواء، فيما اعتبر محلل سياسي آخر، وهو صلاح الدين خديو، أن إيران تفضل وجود كردستان “ضعيفة وتحت السيطرة” بدلاً من إنهاء الحكم الذاتي بصورة كاملة.
ويكتسب هذا القلق بعداً أمنياً مع استمرار استهداف جماعات المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة في الإقليم. فقد شهدت الأشهر الأخيرة ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ نسبت إلى إيران، بينما تقول تحليلات إن وجود هذه الجماعات يوفر لطهران مبرراً للضغط على أربيل وشن عمليات عبر الحدود. وبعد الانسحاب الأميركي، تخشى أوساط كردية من أن تتراجع قدرة الإقليم على ردع مثل هذه العمليات أو احتوائها.
وطلب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني من بغداد مؤخرا تزويد الإقليم بمنظومات دفاع جوي، في ظل تعرض المنطقة لهجمات متكررة بالطائرات المسيرة والصواريخ. ويعكس هذا الطلب جانباً من القلق الكردي من مرحلة ما بعد الانسحاب، إذ قالت وزارة البيشمركة إن مغادرة القوات الأميركية في هذه الظروف، من دون توفير منظومات دفاع، تمثل مصدر قلق للإقليم.
ولا تنظر أربيل إلى التهديد الإيراني بمعزل عن علاقتها بالحكومة الاتحادية. فمع تراجع الوجود العسكري الأميركي، تزداد أهمية قدرة بغداد على حماية الإقليم ومنع استخدام الأراضي العراقية في استهدافه، في وقت تدفع فيه الحكومة المركزية باتجاه تعزيز سلطتها على الملفات الأمنية والعسكرية. ويضع ذلك الأكراد أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على صلاحيات الإقليم وتجنب صدام جديد مع بغداد.
وفي المقابل، تشكل الانقسامات الكردية الداخلية نقطة ضعف إضافية قد تستفيد منها طهران. فالتنافس التاريخي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أبقى مراكز القرار موزعة بين أربيل والسليمانية، وهو ما يرى محللون أنه يمنح القوى الخارجية مجالاً أكبر لبناء علاقات منفصلة مع كل طرف. ويقول محلل الشؤون العراقية والكردية هيوا محمود عثمان إن إيران راكمت خلال عقود خبرة واسعة في توظيف النفوذ السياسي داخل العراق.
ومع ذلك، لا يعني الانسحاب الأميركي اختفاء النفوذ الأميركي من العراق بالكامل. فواشنطن تحتفظ بأدوات اقتصادية ومالية مهمة، فيما تشير تقارير إلى أن العلاقة بين البلدين ستنتقل من التركيز العسكري إلى مجالات أخرى، بينها التعاون الاقتصادي والأمني والاستخباري.

التعليقات